جاء إلى الفندق - كما يفعل اليوم - بمقدار اللحم المطلوب فوضعه قرب باب المطبخ قبل أن يسلمه إلى رجال الفندق، ووقف يحادث اللبان، فجاء كلبان ضخمان وأعملا أسنانهما في اللحم، وأقبلت القطط - لا يدري من أين - فاختطفت ما بقي؛ وظهر صاحب الفندق، وذهب صاحبنا يعدو، بلا عقل، فإذا به يرى نفسه بين الغرف، وكان اليوم يوم أحد، وليس عليه بعد ذلك عمل، وقد قبض أجره الأسبوعي، فرأى أن يرتدي بذلته، ليتسنى له بعد أن يسلم الرسالة أن يخرج للرياضة والتنزه من غير أن يحتاج أن يعود إلى غرفته في (المكس) .
والتقى في طريقه بين الغرف بأحد النازلين في الفندق خارجًا من غرفته، فخاف ودخل غرفتي فألفاها خالية، فدس نفسه تحت السرير، بلا تفكير، حتى أخرجته. . .
فسألته: (ألا يمكن أن يكون هناك عمل تصلح له، ويصلح لك. . . كالحلاقة مثلًا؟)
فحدق في وجهي مستغربًا وقال (إيه. . أعني. . معذرة. .)
قلت: (لا بأس. . . أردت أن أقول ألا يمكن أن تكون شيخ طريقة مثلًا؟؟، ولكن هذا يحتاج إلى ذكاء وحذق وبراعة وجرأة. . . ولا شك أنك ذكي حاذق، وشجاع وبارع، ولكن الأمر يحتاج إلى ضرب آخر من هذه المزايا، فقل لي. . لا بد أن يكون هناك شيء تتقنه. . . فماذا هو؟ فكر. . . أقدح زناد هذا الفكر. . . أرنا همتك. . .)
فأطرق مليًا ثم قال: (لو كان عندي رأس مال لاقتنيت غيّة. . . ولكن. . .)
فقلت: (هل سمعتك تقول(غيّة) ؟)
قال: (نعم. . . غيّة. . .)
قلت: (مفهوم، ولكن ألا يمكن أن تجعلها أسهل. . . . أعني أن تفسرها؟. .) قال: (غيّة. . . ألا تعرفها؟)
قلت: (لا بد أن أكون أعرفها. . . ولكن ينقصني أن أعرف ماذا هي؟ فماذا هي؟) قال: (الغيّة هي. . . هي الغيّة)
قلت: (هذا أحسن. . .)
قال: (تعرف ما أعني. . . الحمام. . . تبني له بيتًا من الخشب فوق السطح، وتعنى به)
ففهمت وسألته (ولكن هل هذا عمل يربح منه الإنسان، أم هو تسلية فقط؟)