فإذا انتقلنا من مادة قرآن إلى صيغتها رأينا المتقدمين يختلفن فيها: هل هي مصدر أو وصف على فعلان. وأيا كان الوجه فلا شك أنها قد تركت المصدرية أو الوصفية وتمحضت للاسمية المحدودة، علمًا على ذلك الكتاب المقدس.
ولكن بعض المستشرقين مثل شفللي وفلهوزن يعارض في عربية كلمة (قرآن) ، ويرى فيها كلمة (قرياني) السريانية، وهي بمعنى القراءة أو المقرء، ويقوي هذا الفرض لديهم مقاربة الكلمة السريانية للكلمة العربية في الصبغة ولكن هذا المقاربة أو المشابهة لا قيمة لها، لأن في العربية كثيرًا من المصادر على وزن فعلان مثل رجحان ونقصان وغفران وكفران وخسران وغير ذلك مما هو عربي صريح مادة وصيغة، فأي شيء يلجئنا إلى مثل هذا الفرض؛ ألأن السريانية لغة الإنجيل. . .؟
قد لا نمنع أن يكون الكتاب الكريم قد استحدث كلمة (قرآن) استحداثًا، وليس هذا الاستحداث بالأمر الغريب في اللغة. بل ربما لم نجد بدًا من فرض ابتداع القرآن الكريم لهذه الكلمة، ما دامت نصوص اللغة الجاهلية الصريحة النسبة إلى ما قبل الإسلام قليلة نزرة لا تمدنا بالدلائل العلمية الكافية القاطعة. ولكن إذا كان كتاب الله قد استحدثها فذلك من أصل عربي وعلى نحو عربي. وقد لا يكون ذلك النحو شائعًا في اللغة كثير السريان فيها كغيره من الصيغ، ولكنه في حقيقة الأمر موسيقى مرنان ليس أجدر منه أن يكون اسمًا وعنوانًا لذلك الكتاب الخالد. وقد قصد إلى تقرير ذلك الإسلام في الأذهان إذا كان ذلك من الأمور الخطيرة في الدعوة، ولذلك كرره أكثر من ستين مرة على أساليب متنوعة، وفي مواضع مختلفة، ومناسبات شتى.
لقد كان أساس الدعوة إلى الدين الجديد هو القرآن، ولاسيما في العهد الملكي، فلا جرم كان تقرير اسمه أمرًا جديرًا بالعناية فكان كثير التكرار كما قلنا، وهذه الكثرة واضحة وضوحًا تامًا في العهد المكي، دون المدني الذي لا نكاد نقرأ فيه كلمة (القرآن) في أكثر من خمسة مواضع، وقد كان المقتضى لذكرها في بعض هذه المواضع مجرد السياق الذي لا بد منه كما في آية سورة التوبة: (. . . وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن) أو سبب النزول كما في آية سورة المائدة: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم) - على حين نرى في إحدى السور