خمسمائة وألف ريال
وسترى أن قصة الحمى الصفراء لا نقاش فيها ولا خصام، فحكايتها متعةٌ للحاكي، وهي فوق ما فيها من المتعة ضرورية لكتاب يحكى عن المكروب ورجاله، فهي تحقق الحُلُم الذي ارتآه بستور، فهو لو قدر الآن لصاح من قاع قبره الجميل بباريس يتحدّى العالم أجمع تيّاهًا فخورًا: (ألم أقل لكم ذلك من زمن بعيد) . ذلك أنني الآن وأنا أكتب هذا أعلم أن الدنيا أصبح لا يوجد بها من سمّ هذه الحمى ما تتغطى به رؤوس ستة دبابيس. وقد لا تمضي عدة سنوات أخرى حتى لا يكون على ظهر الأرض كلها ذرة من سمها، وتصبح الحمّى خبرًا يُروى كبعض البائدات - هذا إذا لم نكن فوّتنا غلطةً خطيرة في التجارب المحكمة المريعة التي قام بها ريدُ وجنوده الأمريكيون ومها جروه الأسبانيون
كانت هذه الحرب التي انتهت بالغلبة على الحمى الصفراء مثلًا جميلًا للتعاون المجيد، انتظم في إثارتها وإدارتها جنود من أعجب الجنود. وكان أول من قدح شرارتها رجل عجوز غريب يُدعى الدكتور كَرْلوس فِنْلي أعفي من اللحية ذقنه، ولكنه انبتها على كل من صدغيه، فجاءت جميلة يغبطه الناس عليها. وكان يخلّط في التجارب تخليطًا. وحسبه أفاضل الكوبيّين وحكماء الأطباء رجلًا مغفّلًا قديم الغفلة مغرمًا بالنظريات. وعدّه الناس أجمعون رجلا مأفونًا جسورًا. فهذا الرجل هو الذي خّمن في هذه الحمى تخمينة أبعدت في الأغراب ولكنها وقعت في الصميم من الصواب
نعم عدّه كل أحد مأفونًا، لأن كل أحد من الناس عرف عرفان اليقين كيف يدفع هذا الوباء المخوف - هذه الحمى الصفراء! وكان لكل أحد طريقته لدفعها: قال بعضهم: يجب تبخير الحراز والسّتان ومتاع الناس جميعًا قبل خروجه من المدن الو بيئة. وقال آخرون لا، فهذا غير كاف فلابد من حرقه جميعه، لا بد من حرق الحرائر والستان والأمتعة ولابد من دفنها ولابد من إتلافها قبل دخولها مناطق الوباء. وقال قوم: ليس من الحزم أن تصافح أصدقاءك إذا كان لهم أقرباء يموتون بالحمى الصفراء. وقال آخرون: ليس في هذا ضرر أبدًا. وقالت جماعة ثالثة: إن الخير في هدم المنازل التي دخلتها الحمّى، فليس بكاف تطهيرها بدخان الكبريت. وعلى اختلافهم هذا فقد أجمع الناس في جنوب أمريكا وفي أوساطها وفي شمالها، مدة قرنين تقريبًا، على أنه إذا حدث أن أهل مدينة أخذت تصفرّ وجوههم، وتشخص الريح