تتابعت جميعًا يحدوها الرجاء وانتهت جميعًا إلى نهاية واحدة متكررة فاشلة تسقط لها القلوب في الصدور، ولكن بول إرليش ثبت على أبتسامته، وظل ينعش نفسه بأقاصيص يخترعها عن دواء جديد مؤمل منشود. وعلم الله وأكدت الطبيعة ما كانت إلا أقاصيص أكاذيب لا تحتمل نقدًا ولا تجيزها طبائع الأمور. وأخذ يرسم الرسوم لبرتهايم ورجاله، رسومًا خيالية لمركبات زرنيخية علموا في قرارة أنفسهم وهم الخبراء أنها لن تكون. وظل يرسم لهم ثم يرسم، وهم يعلمون من الكيمياء فوق ما علم حتى ملأ بمخطوطاته أوراقًا لا عد لها. ورسم لهم في المطاعم على جداول المأكولات، وفي الخمارات على جداول المشروبات. وهال رجاله فقدانه الحس بما بين الممكن والمستحيل، ولكنهم عدتهم حماسته التي لا تحد، وجموحه الذي لا يرد، وعناد البغال الذي لا تنفع معه مجادلة أو مسايسة. قالوا: (ما أجمل تحمسه وتحرقه!) ، وتحرقوا مثله. وانتهى إرليش بأن استنفد كل ما عنده من جهد، وأحرق شمعته من طرفيها، حتى بلغ أمله المنشود، وطلع عليه يومه الأسطع المأمول، وذلك في عام 1909.
أشعل شمعته من طرفيها، وفعل ما فعله طارق حين حرق سفائنه، لأنه كان قد فات الخمسين ربيعًا ولم يبق من عمره غير القليل القصير. وبذلك عثر على المركب الشهير برقم 606. وأعلم أنه ما كان بمستطيع إيجاده لولا معونة خبيره العالم برتهايم. وهو مركب استخدم في تركيبه كل حذق الكيمياء، وركب في جو مخطر لكثرة ما يملؤه من أبخرة الأثير، وهي أبخرة تنذر في كل وقت بالتفرقع والحريق. وهو عدا هذا مركب حساس سريع التلف يحيله القليل الذي يمسه من الهواء من دواء معتدل التأثير إلى سم بالغ المفعول قتال.
هذا هو المركب الشهير رقم 606، وهو يستمتع باسم طويل: فاني أكسي ثاني أمينو أرسينو بنزول ثاني هيدروكلوريد. وكان غلوه في الفتك بالتريبنسومات كغلوه في الطول، فحقنة واحدة منه تكسح دم الفأر كسحًا من كل ما به من تريبنسومات داء الورك فلا تترك واحدة منها تحكي للخلف أخبار السلف.
وهو عدا ذلك كان مأمونًا جدًا برغم انه مثقل بالزرنيخ، ذلك السم المختار المحبب إلى كل