وتبسط أمامنا سبل الحديث المستقيم، ولا يعدو أن يكون موضوعًا لدراسات أدبية، أو اجتماعية، أو نفسية، يفيد منها التاريخ، ويفيد منها رواد الأدب والباحثون في حياة الجماعات الأولى. . كيف كانت، وكيف سارت بها السنون نحو الرقي والكمال، أو نحو التدهور والقعود
وهذه اللغة العربية التي جمعت على هيكلها شعوبًا وقبائل في شبه الجزيرة، كانت في حاجة إلى الشعر وهي ما زالت طفلة تحبو، شأنها في ذلك شأن كل اللغات اليافعة القريبة المولد؛ فالشعر يكاد يكون هو المظهر الأوحد للأدب أو الفن في البيئات الأمية التي تتقطع فيها أسباب الكتابة والتدوين. وكل جماعة من الجماعات الأمية محتاجة أشد الحاجة إلى وسيلة تسجل بها خواطرها المشتركة، وتعبر عن مشاعرها، وتتحدث بمفاخرها؛ ولابد من أن تكون هذه الوسيلة قادرة على إذاعة رسالتها بين الأفراد، وحثهم على أن يتلقنوها؛ ولا يستطيع كل ذلك إلا الشعر، فإن اتزانه، وتقفيته، وموسيقاه، تسوقه إلى ذاكرة سامعيه من أيسر طريق وأقصد سبيل
ولاشك في أن علم الناس بالقراءة والكتابة - بعد ذلك - يحمل عن كاهل الشعر بعض هذه الأعباء، ويحد كذلك من سلطانه شيئًا، ويسلبه بعض نفوذه العريض، ولكنه يوجهه توجيهًا ساميًا نحو الفن الرفيع، وتلمس ألوان الجمال، التي تختفي في ثنايا الوجود، وتتوارى وراء أغشية الجمود
على أن الشعر لا يمكن أن يكون متفردًا بهذا التوجيه الجديد الذي دفعته إليه معرفة الناس القراءة والكتابة، لأن هذه المعرفة خلقت النثر الواسع الأجواء، الذي يلعب بسائر فنون القول، والذي أصبح بعد قليل أقدر عليها من الشعر وأقوى ساعدًا. ولست بحاجة إلى أن أثبت قدرة النثر على التعبير، وتفوقه على الشعر في هذا السبيل، فذلك أمر بديهي؛ ولن يجد الكاتب الذي يسجل خواطره، أو يترجم أحاسيسه، أو يعبر عما يختلج في ذهنه من المعاني - أفسح من النثر مجالًا، ولا أوسع ميدانًا لقلمه الجوال. ولن يتقيد فيما يكتب بوزن يتحتم عليه أن يرعاه، ولا بقافية تأخذ بخناق قلمه أخذًا
وأخشى أن يتحدث المفتونون بالشعر - في هذا المجال - عن روحانية الشعر، وسمو أجوائه، وروعة أخيلته، وفتنة موسيقاه، وما إلى ذلك مما يجيدون في الحديث؛ وألا يدركوا