ويجهر بالحق للحق.
فإذا نقم على المستشرق لتعصبه الذي يدفعه إلى الطعن على الإسلام (مثلا) فإنما ينقم عليه للحق الذي يراه دون رياء أو تزلف يتملق بهما المسلم حبًا للمال أو سعيًا وراء الشهرة التي يحسبها النفر الخامل من متأدبينا في الضجة الفارغة واللقب الكاذب.
العقيقي صريح في كتابه إلى أبعد حد في الصراحة لم يراع معه نعي الرجعيين من قومه عليه فيما يحمل على عصبية المستشرقين لدينهم أو عنصرهم، ولا حذر انتقام الجهلاء من غير قومه فيما يصوب من حملات الغرب على الشرق.
والروح الوثابة في نجيب حملته على ألا يترك أديبًا إلا جلس إليه ولا كتابًا إلا وقف عليه، حدت به هذه الروح إلى أن يبحث ما اتصل به من علم، وأن يدرس ما استطاع درسه من فن، حتى بدا له أن يبدع فيما ينتج فولدت هذه الروح فيه فكرة الكشف عن هذا الشعب شعب الاستشراق المبعثر هنا وهناك.
ويهجر العقيقي أصدقاءه بضعة أشهر فلا يزورهم خلالها إلا لمامًا، ويمعن في البحث والتنقيب، والكتابة والترجمة، ثم يطلع عليهم بعد عام وقد سهم وجهه وتغضن جبينه، فإذا به يتأبط كراريس تشتمل على قلب نابض بالحياة، وإذا بضربات هذا القلب تقرع الأسماع، وإذا بهذا القرع يملأ الأفق دويًا.
يتناول نجيب في كتابه رأي المستشرق في لغة العربي أو أدبه أو خلقه أو معتقده فيمر به في طريقه إلى الحكم على وطن المستشرق وعلى مدرسته وعلى كنيسته ثم على حكومته، فإذا توفر لديه البحث عن وطنه كيف غادره، وعن مدرسته كيف تخرج منها، وعن كنيسته كيف اعتنق دينه فيها، وعن حكومته وكيف كانت منزلته منها، استطاع إذ ذاك أن يمحض هذا الرأي فيرجعه إلى المستشرق نفسه مجردًا عن الأهواء أو إلى أحد هذه العوامل متأثرًا به إذ قلما استشرق غربي دون أن يتأثر بواحد منها
وهو يثبت في كتابه أن الاستشراق غالبًا مدفوع بسياسة الغرب ودينه لغزو الشرق واستعماره وقتل القومية فيه حتى تتوفر الغلبة للغرب عليه.
هذا ما أحببت أن أشير إليه من موضوعات الكتاب ويكاد يكون أروع موضوعاته، فالشرق جد محتاج إلى مثل هذا المؤلف وما أحوجنا إلى كتاب آخر من هذا النوع يخلقه قلم العقيقي