حكومته طبق ناموس العدل ولو النسبي ولا يراعي العصبية الحزبية أو ما يسمى (بالمحسوبية؟) وعلى جواب هذا السؤال تتوقف المقارنة بين حكومة الفرد العادل وبين الحكومة البرلمانية في نسبتهما قربًا وبعدًا من (الديمقراطية) التي تقوم على رعاية المصالح العامة ممن يحسون بإحساس الشعب ويعترفون بما للطبقة الشعبية من حقوق طبيعية في هذا الوجود على الأقل كغيرهم من الطبقات الأخرى
كذلك يجب علينا أن نعرف: هل حرية الفرد مكفولة في ظل النظام البرلماني فحسب دون حكومة الفرد العادل حتى يكون الحكم على ما رآه جمال الدين واعتقده من مبدأ بأنه يتفق أو لا يتفق مع ما تصبو إليه الشعوب من حكومة راقية عادلة. لهذا يجب أن نحدد أولًا: ما هي الحرية؟ أهي الفوضى واستباحة الحرمات والخروج عن قوانين الجماعة والعرف والنيل من كرامة الآخرين وشرف الذين لا حول لهم ولا قوة؟ أم هي التمتع بالحقوق الفطرية في ظل العرف والقانون، في ظل مراعاة الحرمات وتقدير كرامات الآخرين؟ لا أظن أن أي عاقل يشجع على أن يكون المعنى الأول مفهومًا (للحرية) كما لا أظن أن هذا الذي ذكر ثانيًا على أنه مدلول (الحرية) يفنى في ظل حكومة الفرد العادل
إن صلاحية أي أسلوب من أساليب الحكم نسبية، تتوقف على أحوال الأمة وعلى درجة تطورها الاجتماعي والخلقي فكما أن الحكم البرلماني ليس المثل الأعلى على الإطلاق كذلك الحكم الفردي ليس عنوان الظلم دائمًا وإهدار الحريات
وقد كان جمال الدين الأفغاني (حكيمًا) إذ ربط أسلوب الحكم بأحوال الأمة الخاصة بها وعلق تطوره أو تغييره بتغيير تلك الأحوال
فالتعصب للحكم البرلماني بدون قيد ولا شرط، ورمي حكم الفرد بالجور بدون قيد ولا شرط، غلو في الخيال وإيمان غير محدود بالنظر المجرد عن حقيقة الواقع مادامت العدالة ليست رهينة أحد النظامين على الإطلاق
محمد قرقر البهي
دكتور في الفلسفة وعلم النفس من جامعات ألمانيا