لذاتهم أو منافعهم أو سعاداتهم، غير أننا أن وقفنا عند هذا التحقيق الاستقرائي بقينا دون مستوى الأخلاق التي تبحث فيما يجب أن يكون لا فيما هو كائن بالفعل. وأن أردنا من المرء أن يوازن ويختار بين هذه اللذائذ الخاصة أو العامة أو بين هذه الوسائل والأعمال التي تؤدي اليها، تدخل حقيقة في مملكة الأخلاق ولكن في الحين نفسه تترك مملكة التجارب والاستقراء!
فضلًا عن هذا فأخلاق المنفعة العامة تصطدم بهذا الاعتراض الذي لا محيص منه وهو أننا في عديد من الحالات نجد تعارضًا بين المنفعة الخاصة والمنفعة العامة؛ منفعتي أن يقتتل الناس للدفاع عن حقوقي ووطني وألا أخاطر بنفسي بالدفاع عنهم، وصالحي الخاص أن يكون مال الغير على حبل الذراع حتى انتفع به كما أريد، وأن أقبض يدي وأحفظ مالي فلا أساعد به سواي. وإذًا في مثل هذه المنازعات بين المنفعتين أرى أن أخلاق (مِيلْ) التي تدعو للإيثار تدعوني لجعل منفعتي تابعة للمصلحة العامة ولتضحية تلك في سبيل هذه متى تطلب الأمر التضحية. ولكن كيف يمكن قبول هذه التضحية أي تضحية المنفعة الخاصة في سبيل العامة مع ما سبق أن قرروه من أن جميع الناس يجرون وراء لذاتهم ومنافعهم الخاصة! أليس من التحايل المفضوح أن نضع تحت عنوان أخلاق المنفعة الخاصة أخلاقًا هي الإيثار الصريح؟
ان من التعسف بل من المستحيل أن نأخذ من التأكيد الذي سبق تقريره وهو أن الناس يبحثون وراء لذاتهم أو سعاداتهم انهم يجب أن يختاروا بين مختلف هذه اللذائذ والسعادات وأن يضحوا باللذات الدون التي مرجعها إرضاء عاطفة الأثرة في سبيل الحصول على لذة من نوع أسمى وأعلى يحسها المرء من التضحية في سبيل سعادة الآخرين! ذلك التأكيد الاستقرائي وهذا الاختيار الواجب أخلاقيًا طرفان لا يلتقيان على رأي (باسكال) .
وأخيرًا فكل المذاهب الأخلاقية التي تدخل فيها تجارب الحياة واستقراء ما فيها من البواعث والغايات تتحطم أمام هذه الحقيقة، وهي أن الاستقراء يعرفنا ما كان، بينما تقول لنا الأخلاق ما يجب أن يكون.
هناك بعض الاجتماعيين الأقرب عهدًا من سابقيهم عرضوا ضربًا آخر من الأخلاق الاستقرائية، هو أن الأخلاق ترجع أولًا إلى علم العادات الذي مرجعه استقراء التاريخ