اللذان ينطلقان في الغناء بما توحيه إليهما نفساهما. أما زكريا فتنساب نفسه في غنائه بأسلوب مصري رقيق، وأما محمود صبح فتجمع روحه في غنائه بأسلوب تركي متعجرف مكنته منه دراسته التي صرفته عن طبيعته المصرية فأصبح وله لون خاص به في غنائه، ليته كان مصريًا قريبًا من نفسه ونفوسنا
ونعود الآن إلى غناء الماضي لنلحظ فيه ملحوظة تعزز ما ذهبنا اليه، ذلك أنه كان غناء شراب وفرح وبهجة؛ وقد نجهد أنفسنا في البحث إجهادًا كبيرًا إذا حاولنا أن نعثر فيه على شيء غير الشراب والفرح والبهجة التي كانت تبعثها مناسبات الغناء في نفوس المغنين. وقد كان المغنون في الجيل الماضي يعيشون في أفراح متواصلة متتابعة ولعل القارئ يعجب حين يعلم أن موسرًا من الموسرين أراد أن يحيي له ليلة فرحه المطرب الشيخ سيد الصفطي؛ فلما قابله أخبره الشيخ الصفطي بأنه مقيد بتسعين ليلة مقبلة لا يمكنه أن يتحلل من إحداها، فاضطر الموسر أن يؤجل فرحه ثلاثة شهور متتالية. فإذا كان هذا هو حال الشيخ الصفطي الذي لم يكن ملحنًا ولم يكن أستاذًا لمدرسة في الغناء فكيف كانت حال عبده الحامولي، ومحمد عثمان؟ إنهما لم يكونا يملكان إلا أن يعيشا في أفراح بعد أفراح. ولقد نضحت أغانيهما بهذه الأفراح حتى ما كان منها يجنح نظمه إلى الشكوى والألم، فقد كانا يغنيان في فرح وفي مرح تستسيغهما المناسبة وإن كان الفن والمعنى يزوَرَّان عنهما
ولكن هذا ليس معناه انهما كانا يغنيان على وتيرة واحدة هي نمط البهجة، وإنما كانت روحاهما تنتفضان أحيانًا بالأنين والألم. وقد سجل التاريخ لعبده الحامولي وقفة خالدة من وقفات الفن الرائعة إذ جاءه نعي وحيده في ليلة زفافه وكان عبده هو الذي يحييها بغنائه، فغنى عبده ليلتئذ غناء أسال قلوب سامعيه دموعًا، وعصر نفوسهم دمًا، وطبع أرواحهم بطابع أسود خدرهم وهم في مقاعدهم ولم يخطر ببال أحدهم أن يسائل عن سره أو منشئه، حتى إذا طلعت الشمس شاع بينهم الخبر فلزموا مجالسهم حتى جهزت الجنازة فخرجوا بها مشيعين العروس الذي خفوا ليشاطروه الفرح
هذه هي حال الغناء في الجيل الماضي، وهذه هي حال إمامه عبده الحامولي، وهي كما ترى أقرب الأحوال إلى الغناء الطبيعي الذي يصدر عن النفس الصادقة في لون صادق من ألوان العواطف هو الفرح. فإذا قلنا أن الغناء يكاد ينقرض فإنما نقصد بذلك هذا اللون