ويغنيهم، فهو ينطق أحيانًا بالفرنسية وأحيانًا بالإنجليزية، ولو كفل له استديو مصر حاجته من المال لمثل بالعربية ولم يجد مانعًا من ذلك ما دام غرضه وغرض الناس منه هو العبث، وأما شارلي شابلن فإنه يمثل من غير أن يتكلم لأنه لا يهرج، وإن كان يضحك الناس على أنفسهم، ولأنه يريد أن يحسه الناس جميعًا مجردًا من كل بلبلة مما فرق البشرية وشعبها، وقد كان شارلي يستطيع أن يمثل بالإنجليزية وهو مولود عليها، ولكنه يشعر بالحق فيما بينه وبين نفسه أنها لغة طارئة على تكوينه غريبة على نفسه ذات المميزات العبرية الشرقية التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، وهذا الشعور مع رغبته في الشيوع مع النفوس المختلفة هما اللذان يلزمانه التمثيل الصامت وإلا فقد كان يمثل بالإنجليزية وهي لغة جمهور السينما
-أو العبرية وهي لغته
-ولكن أهلها قليلون جدًا وحرام أن يخصهم شارلي وحدهم بفنه مثلما خص إميل جاننجز أهله الألمان وحدهم بفنه بينما كان الواجب الإنساني عليه أن يظل في أمريكا يمثل صامتًا مثلما يفعل شارلي، وقد كان ينجح كل النجاح ويوفق كل التوفيق فهو في الممثلين آية. أذكر أني رأيته مرة في فيلم يبكي بضلوع ظهره بكاء أبكاني وأبكى كثيرين معي، وليس كل ممثل بقادر على هذا
-فما الذي منعه؟
-لست أدري، وإن كنت أظن أن إميل لو كان صاحب ثروة مدخرة لبقى في أمريكا وفعل الذي يفعله شارلي ولما اضطره الفقر إلى أن يقف موقف الاختيار بين ما يريده الأمريكان من التمثيل الناطق، وما يريده الألمان من النطق بالألمانية وحدها
-إذن فلو كان إميل غنيًا لكان قد تخلص من ألمانيته، فالألمانية إذن ليست متغلغلة فيه كما تدعي، وما دام الأمر كذلك فقد كان يمكنه أن يظل في أمريكا وأن يمثل بالإنجليزية
-لا. إن الألمانية متغلغلة فيه، فلا أحد ينكر أن الألمان من الشعوب الذين يعتزون بأنفسهم، بل الذين يصل بهم اعتزازهم بأنفسهم إلى أن يصبح صلفًا وتكبرًا مذمومين، وكل الذي كان يستطيعه إميل مع هذه الألمانية المتمكنة فيه من ألوان الكفاح هو سترها بالصمت، ولكنه لم يكن ليقوى على أن يسترها إذا نطق فبأي لسان نطق ظهرت ألمانيته، وظهر فيها صلفه