إساءتهم ومن إحسانهم أيضًا. وقد أورثه هذا الشعور (التأنق) الذي عرف عنه في كتابته، فهو إذا أراد أن يلقى جبلًا على رأس قارئة لومًا وعتابًا وتعنيفًا كلف نفسه في البدء أن ينسف الجبل، ثم أن يدق حجارته وصخوره فإذا هي حصى، ثم أن يطحن الحصى فإذا هو دقيق ناعم، ثم أن يحرق هذا الدقيق فإذا هو دخان، ثم أن ينفخ في هذا الدخان فإذا هو. . ماذا؟. . سراب أو أثير يرجم به الأستاذ الزيات ما يكره من الصور والفِكَر والحوادث. وهو إلى جانب ذلك التلطف كله يقول: اللهم غفرانك فما أردت إلا الإصلاح! مسالم جدًا!
وإذا جاء يوم كان اللطف فيه عيبًا، فإنه يجئ يوم يرى الناس الإسفاف فيه فضيلة. وقد وقى الله الأستاذ الزيات الإسفاف بما وهب له من الرقة وأناقة النفسِ، فهو حريص كل الحرص على قلمه أن ينزلق إلى فكرة نابية أو كلمة فاجرة. وهو على الرغم من احترافه الكتابة السنين الطويلة لا يزال يتأنق فيها. وهذا دليل على حبه إياها وشغفه بها. وثمة دليل آخر على ذلك هو أنه أكرمها فلم ينزل بها إلى أسواق يروج فيها الرخيص الغث منها، وإنما ظل بها في سموات أدناها (الرسالة)
إني أحبه لأنه كان شجاعًا في عطفه علىّ في أشد ما عرفت من محن الحياة، فقد فتح لي أبواب الرسالة بعد ما كنت في نظر الناس مكروبًا
الأستاذ أحمد أمين
قُدَّمت إليه سنة 1928 وكانت معي كراسة أكتب فيها أشياء شغلتني إذ ذاك وأنا في الرابعة الثانوية. فقرأ منها شيئًا ثم سألني: ماذا تريد أن تدرس بعد البكالوريا؟ فقلت له: اللغة العربية في كلية الأدب عندكم. فسألني: لماذا؟ فقلت له: لكي أكون أديبًا. فقال لي: لسنا نخرج الأدباء المنشئين وإنما نحن نخرج الأدباء الواصفين. . . قالها وابتسم زعمًا منه أني سأسأله وأنا التلميذ الجاهل في المدرسة الثانوية عن الفرق بين الأدباء المنشئين والأدباء الواصفين هؤلاء، فإن هذا الفرق موضوعًا لدرس من دروس السنة الثانية من قسم اللغة العربية في كلية الآداب، ولكني كنت قد قرأت كتاب (في الأب الجاهلي) كما كان الأستاذ أحمد أمين قد قرأه، فعرفت منه ما عرفه، فلما سمعته يقول ما قال لم أسأله شيئًا وإنما بادرتني الحسرة على نفسي لأن الأستاذ أحمد أمين أنذرها بأنه لا معين في كلية الآداب على بلوغ ما تنشد. . . فقلت من ساعتها: الاعتماد على الله