الأمة بفقده
وقال قائل لصاحبه: (يرحمه الله!)
فقال صاحبه: (أما إنها لخسارة!)
وكان ثمة فتى رث الثياب، مخرَّق النعل، مرسل اللحية، يقتحم الصفوف صفًا صفًا يقصد إلى المنصة التي يتبارى عليها الخطباء. . .
وتأفف الناس وزمَّوا شفاههم استكراهًا وغيظًا، لكنهم صمتوا إجلالًا للحفل، وبلغ الفتى حيث أراد وهم أن يصعد، فاعترضته الأكفّ؛ ولكنه صعد. . .
وأخْذته العيونٌ من كل جانب، وكان يبتسم وفي عينيه سخرية وشماتة!
وفرغ الخطيب من خطبته فتنحى عن موقفه، وتقدم الفتى إلى موضعه، وهمَّ أن يتكلم. . .
وتدافعته الأيدي. . . ونظر إليهم ونظروا إليه. . . وتعارفت وجوه وتناكرت وجوه؛ ووقف الفتى ثابتًا في مكانه، وارتفع صوته يُبثُ جلاجِل نفسه، وهتف:
(أيها السادة. . .!)
وسمعها السادة وقوفًا وأبصارهم إليه، ومضى يقول:
(أشكركم. . .!)
وعرفه من عرف ولم ينكره من جهل، وتدافعوا إليه. . . إنه هو. . . إنه أحمد!
(ذلك يوم البعث ولا ريب) : قالها كل مستمع لصاحبه. . . لم يمت أحمد، ولم تأكله وحوش الصحراء، ولم يحمله من حملوا إلى قبره يوم حملوا الرفاتَ المجهول النسب من مجهل الصحراء إلى معلمها؛ ولكنه كان حيًا يرزق. كان يهيئ نفسه ليلقي أبلغ خطبة جهر بها خطيب، وأبْين قصيدة نظمها شاعر؛ وابرع سخرية أبدعها أديب؛ فخطب ونظم وسخر. . . واستمع لرأي الناس فيه ميتا حيًا، وأسمعهم رأيه. وبلغ المجد الذي أراد، وبلغ ما شاء من الانتقام لنفسه ومن السخرية بالناس! وعاش!
محمد سعيد العريان