ومال إلى التفكير في الأمر تفكيرًا جديًا ووجد نفسه يحاول حل مسألة العثور على بذلة. ولكنه لم يدر له بخلد أن يجد ضالته عند صاحبه السائق أو عند أحد من أقرانه، لأنه كان يعلم أنهم لا يملكون سوى البذلة التي يلبسونها. على أنه لم ييأس لذلك من العثور على بذلة. فعليه بالأفندية الذي كانوا إلى عهد قريب يتقون أذاه ويرجون خيره، فلا يمكن أن يضنوا عليه ببذلة قديمة ناطت الأقدار باقتنائها قوام حياته. واعترض على أولئك الأفندية سلبهم وطرق أبوابهم ورجالهم بلهجة غير التي ألفوا أن يسمعوها منه، أن يتنازلوا له عن بذلة قديمة، ولكنهم ردوا عليه بأوجه من الأعذار لا تفند، فقال فريق إنهم لا يملكون سوى بذلة واحدة غير التي يلبسونها، واعتذر فريق آخر بسوء الحال وكثرة العيال ووطأة الأزمة. وقال واحد بقحة إن خادمه أحق ببذلته القديمة. وعجب المعلم لأولئك اللؤماء واهتاجه الغضب اهتياجًا شديدًا وقال لنفسه بإصرار وعناد (ما دامت البذلة تنقذني من السجن فسأحصل عليها مهما كلفني ذلك من العناد) وكان يتخبط في الطريق على غير هدى حين وجد نفسه اتفاقًا أمام دكان كواء عند مبتدأ شارع السبيل، فألقى عليها نظرة سريعة لصقت بالبدلة المعلقة، فتراخت ساقاه عن المشي وأسند ظهره إلى شجرة قريبة ومضى يتفرس في البدل المتراصة تفرس الجائع المنهوم في فرن الحاتي المليء بالشواء من اللحوم، ثم عاين المكان فرأى الدكان قائمًا إلى جانب جراج تحدهما من الخلف صحراء العيون. ودارت برأسه خواطر محمومة عنيفة وعزم عزمًا أكيدا
وأصبح الصباح وجاء الكواء يفتح دكانه فما راعه إلا أن رأى في ظهرها ثغرة فانخلع قلبه وهرع إلى ثياب زبائنه. ووجدها كاملة إلا بدلة واحدة. . . فكانت دهشته قدر انزعاجه!
وصار المعلم بيومي سائق تاكسي ولم يعد لضابط نقطة الحسينية من سلطان عليه، ولأمر ما أختار الجيزة ميدانًا لعمله فارًا بالبذلة التي لم تهده الحيلة إلى صبغها أو قلبها كما كان ينبغي أن يفعل اللص الماهر. وما كان يصبر على نظام العمل لولا أن السجن كان عودة على ما هو أشد إيلامًا ومقتًا، فرضي كارهًا أن يلبي النداء ويحمل الراكبين، ويبدي احترامه لمن كان بالأمس ينظر إليهم شزرًا ويدعوهم (بالكرديات) . . .
ولم تخل حياته في ذاك المهجر من حوادث، ففي ذات أصيل وكان مضى عليه ما يقارب الشهر في عمله. وكان ينتظر في موقفه برز رجل وجيه من باب الفانتزيو وناداه ولبى