صحيحة نسبيًا، وكلما زادت نسبة الصدق وكبر عنصر الحقيقة أصبح التاريخ تاريخًا بالمعنى الصحيح.
وإن من يدرس العلوم الطبيعية يستطيع أن يشاهد بنفسه التغيرات والتحولات التي تصيب المادة في معمل التجارب. إنما دارس التاريخ لا يستطيع أن يضع الحوادث أمامه في بوتقة التجارب؛ ولابد له من وسائل أخرى تؤدي به إلى الغرض. فينبغي أن تتوفر لديه الأصول والمصادر التي يستخرج منها الحقائق التاريخية. وهذه المصادر عبارة عن آثار ومخلفات الإنسان، وهي على أنواع مختلفة؛ فمن ذلك بقايا جسم الإنسان نفسه، وملابسه وطعامه ومساكنه وأسلحته وأدواته التي كان يستخدمها أثناء حياته، ونقوشه على الأحجار وكتبه المخطوطة والمطبوعة، وصوره ورسومه وتماثيله ومبانيه، ولغته وآدابه وقوانينه وعاداته وتقاليده. وآثار الإنسان كلها تحمل بين طياتها أسرار الحوادث وخفايا التاريخ؛ وهي تظل أبدًا صامتة لا تبوح بأسرارها، إلى أن يتمكن الإنسان بالدراسة الطويلة، وبالتأمل العميق من أن يحملها على النطق، وعلى التعبير عن أسرارها وخفاياها. وينبغي ألا يفوتنا أن بعض آثار الإنسان تشيد للمبالغة وللتعظيم، مثل أقواس النصر التي أقامها نابليون في بعض الولايات الألمانية، والتي لا تدل على أنه قد أصبح سيد أوربا على الدوام، أو المدالية التي ضربها تذكارًا لنزوله إنجلترا، مع أن ذلك لم يحدث تاريخًا؛ فهذه المدالية ستبقى كذكرى لأمل لم يتحقق. أو تمثال الرجل الذي يقتل الأسد، مع أن ذلك لم يحدث إلا نادرًا، والعكس هو الشائع. ولو استطاع الأسد أن يصنع تمثالًا لفتكه بالإنسان لصحّ الوضع. وأحيانًا قد يعثر الباحث في التاريخ على وثائق مزيفة ومنتحلة، سواء بقصد الدعاية أو الدفاع عن فكرة معينة أو من أجل الشهرة أو للاتجار والكسب. وعلى ذلك ينبغي أن تدرس آثار الإنسان بروح النقد والحذر.
وتتحد قيمة التاريخ المكتوب بناء على بعض الأسس العامة. فأولًا نوع المادة التي استقى منها الباحث معلوماته، هل هي أصول أو هل هي نقوش قديمة معاصرة، وثبت صحة معلوماتها، أو هل هي وثائق ومراسلات سياسية مستخرجة من دور الأرشيف وثبت أنها غير مزيفة وأن معلوماتها صحيحة، أم أن المادة التي جمعها الباحث مستمدة من مجرد مراجع ثانوية ليست لها قيمة كبيرة. وثانيًا قدرة الباحث على نقد ما تحت يده من الأصول