وفي هذه المناسبة، يجب إلا ننسى أن التجنيد الإجباري للمتبع اليوم في جميع أنحاء العالم، ما هو إلا صورة من صور الجزية حيث يقدم الفرد عوضًا عن الضريبة النقدية ضريبة من الخدمة البدنية والمخاطرة بالنفس. ولذا سمى التجنيد (بضريبة الدم) .
تؤخذ الجزية على أنواع مختلفة: منها أن تكون متساوية المقدار على الجميع، لا فرق فيها بين غني وفقير، أو بين ذكر وأنثى. وحجتهم في هذا الرأي أن الحكومة مكلفة بحماية الأرواح وأرواح الناس جميعًا ذات قيمة واحدة، فمن قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا، ولذلك تؤخذ الجزية متساوية من المجتمع
وعلى رغم ما في هذه النظرية من رونق خاص، فإنها بعيدة عن العدل بعدًا لا يخفى على اللبيب، ولذا فضلت عليها الطريقة الثانية التي يميز فيها بين شخص وآخر حسب مقدرته أو غنائه
وهذه الطريقة هي التي أتبعها الإسلام في أهل الذمة إذ فرض ثمانية وأربعون درهما على الغني، وأربعة وعشرين على الوسط، ثم أثني عشر على الحراث أو العامل بيده مثل الخياط والصباغ والإسكاف والجزار. ولم تؤخذ الجزية من النساء والصبيان ولا من المسكين الذي يتصدق عليه، ولا من الأعمى والمزمن والمقعد إذ كانوا لا يملكون حرفة ولا يسارًا
وأيما شيخ من أهل الذمة ضعيف عن العمل أو أصابته آفة، أو كان غنيًا فافتقر. . . طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين
وبعد فيجب ألا يغرب عن ذهن القارئ أن الجزية والخراج اللذين ذكرنا من أمرهما شيئًا، لم يضعهما الإسلام إلا على الذميين، وهم أهل الكتاب والمجوس وغيرهم من الذين وقعوا تحت الإسلام ثم آثروا البقاء على دينهم.
وهنا نعرض لمسألة خاض فيها الباحثون طويلًا وذهبوا فيها كل مذهب:
إذا دققنا في أمر الضرائب هذه التي فرضت على أهل الذمة، وقارناها بالضرائب التي فرضت على المسلمين - أي الزكاة - وجدنا ثمة فرقًا كبيرًا. إذ إن الزكاة كانت خفيفة جدًا بالنسبة لما فرض على غير المسلمين. فالإسلام كان يأخذ من أتباعه ما يقارب ربع العشر على ما بأيديهم من أنعام وأموال وزراعة، بينما أخذ من الذميين الثلث والربع إضافة إلى