سأقول إن التخفيف يفضي إلى قلة الاهتمام، والاهتمام هو أساس كل تفوق. وقد صارت علوم اللغة العربية في المدارس الثانوية عرضة للتسهيلات والتخفيفات من عام إلى عام، بصورة توجب الانزعاج
لقد انعدم علم الصرف أو كاد ينعدم في المدارس المصرية، وصار من النادر أن نجد تلميذًا يعرف كيف ينتفع من المعاجم اللغوية.
ومضى التخفيف إلى النحو فحذف منه أبوابًا كثيرة، وصار من النادر أيضًا أن نجد تلميذًا يفهم أسرار الإعراب
وانساق التخفيف إلى علوم البلاغة فهو يقص حواشيها بلا تردد، وقد نرى غدًا من يقترح حذف تلك العلوم، بحجة أنها نشأت في بيئات أعجمية!
وقرر المفتشون في اجتماعهم الأخير حذف تاريخ الأدب، وكان يجب أن افرح لأني اقترحت ذلك منذ سنين، ولكن الطريقة التي احتجوا بها لذلك القرار قامت على القول بأن التلاميذ أضعف من أن يفهموا تاريخ الأدب لأنهم في حكم الأطفال!
والواقع أن تلاميذ المدارس الثانوية يسايرون من حيواتهم عهدًا هو أخصب العهود، فيجب أن ننتفع بتلك الفرصة فنزودهم بالمعارف التي تسندهم في المستقبل، ويجب أن نخلق فيهم الشوق إلى جميع المعارف، وأن نجعلهم جنودًا سعداء بالجندية في ميدان التعليم والتثقيف.
قلت لزملائي: أنا أستطيع شرح أصعب معضلة أدبية أو فلسفية شرحًا يفهمه أضعف تلميذ، فلا تسيئوا الظنون باستعداد التلاميذ
فقال الأستاذ مختار يونس: لم أفهم شيئًا مما تقول
فقلت: لأني أوجزت في مقام يجب فيه الإطناب!
يجب أن نفهم أن الفرصة في أيدينا، وأن الشبان بين العاشرة والعشرين صالحون لفهم أصعب الدقائق. ويجب أن يكون في نيتنا جعل مرحلة التعليم الثانوي مرحلة حاسمة في تكوين عقول الشبان، بحيث لا يحتاجون إلى المعاهد العالية إلا إذا تساموا إلى الأستاذية في مختلف العلوم والفنون.
وأنا لا أعرف كيف قضينا أزمانًا بلا فهم للمراد الصحيح من التعليم الثانوي، فهو عندنا إعداد للتعليم العالي، وكان يجب أن يكون إعدادًا لخوض معترك الحياة بلا تهيب ولا إشفاق