غير العادي الذي يتعلق بشخص الملك أو الدولة، فقد كان موكولا إلى محكمة خاصة تشكل من أثنى عشر قاضيًا بعضهم من رجال الجيش، وكان النائب العمومي هو الذي يختارهم بناء على أمر من الملك ذاته، فتتكون المحكمة وبمجرد انعقادها تنقسم إلى هيئتين تفحص كل منهما الدعوى على حدة، ثم تجتمعان، وكانت محاضرها مختصرة وسرية، فكانت تصدر الأحكام دون نشر الأسباب، وبالرغم من أن النائب العمومي هو الذي يختار هؤلاء القضاة فقد كان لا يتدخل مطلقًا في عملهم حتى أن اسمه كان يأتي بعد أسمائهم وقبل أسماء كتاب الجلسة.
هذا ما كانت عليه حال القضاء في عهد قدماء المصريين، ومنها يرى القارئ أنها كانت على درجة عظيمة من الثبات والاستقرار، وأن العدالة كانت مستتبة الأركان قوية الدعائم. وقد ظلت كذلك حتى انتهى العهد الفرعوني السعيد، ودخل الإغريق البلاد فأفسدوا نظمها، وقد كان للبطالسة شأن كبير في طرد العدل من البلاد، إذ أدخلوا امتيازات أعطوها للإغريق دون المصريين في القضاء وفي الضرائب، فكان على المصري الغُرم ولهم الغنم، ومما يدل على صحة ما قلت تقسيم المحاكم في عهدهم إلى إغريقية ومصرية، وكانت الإجراءات أمام الثانية معقدة تتبع شكل القانون الضيق دون التوسع فيه، بعكس المحاكم الإغريقية التي كانت طبقًا لقواعد العدالة والإنصاف والقانون الطبيعي. وكان نظام المحاماة معروفًا في المحاكم الإغريقية بعكس المصرية حيث كان الخصوم ملزمين بالدفاع عن أنفسهم كما كانت تقدم الوثائق والمستندات أمام المحاكم المصرية، فإذا لم تكن كافية مُزقت علانية في الجلسة.
حامد أسعد محمد عاشور