سمعت صوت الطفلة فتحولت بأنظاري إلى الباب أرقبها في شغف. تقدمت نحوي تتعثر في مشيتها وذراعاها تنوءان بحملهما. (عروسة) عاجية وحصان خشبي وسيارة صغيرة، وضعتها على الأرض في عناية وشرعت تناولني واحدة بعد أُخرى في زهو واعتزاز. قلت وأنا أقلّبها بين يدي في إعجاب:
من أهدى إليك هذه اللعب الجميلة؟!
فلمعت عيناها ببريق الغبطة وهتفت في حماس: بابا اشترى لي هذه اللعب كلها. . . بابا يحبني كثيرًا.
فرنتّ على خدها في لطف وقلت: طيب. . . غدًا سأشتري لك لعبة جميلة.
فتطلق وجهها وبان السرور في عينيها وهمست في مسودة: أنت تحبني كبابا.
ربما!. . . وبمضي الأيام اشتدت محبتي لها. ما سبب تلك المحبة؟! الله أعلم. قد يكون مبعثها رثاء لطفلة يتيمة الأب. قد يكون مصدرها إعجاب بروحها الأليفة، روح يفيض حيويته على البيت فيملؤه بهجة وحركة ونشاطًا.
وفي كل مساء كنت أخرج إلى شرفة الدار وأتمدد على مقعد الراحة، (المترو) يزفر في الشارع تحتي كأنه يضيق بحمله. وكمساري (الترام) ينفخ في زمارته بملل، ونفير السيارة يعوي بين حين وآخر، والناس يروحون ويجيئون، وفريدة تقبل على قفزًا بصحبة دُماها لتسألني مشاركتها في اللعب كعادتها كلما رأتني منفردًا في الشرفة.
-هالو! فيفي.
وكومت لعبها على الأرض وتربعت إزاءها. ثم شرعت تملأ السيارة الصغيرة. وفجأة توقفت يدها عن الحركة وبدت كأن أمرًا يشغل بالها، ماذا يقلقها؟! رفعت عينيها إلى وسألتني في استعطاف.
-هل تشترك معي في اللعب عندما يعود بابا؟! سنلعب ثلاثتنا معًا.
سرت في جسدي رعدة خفيفة وأنا أحدق في وجهها البرئ وأصغي إلى سؤالها الساذج، ألا تعلم بموت أبيها؟! وسمعت لساني يهمس في تردد: حسنًاـ سأفعل.
صفقت فرحًا وهرعت إلى الغرفة أُمها وتركت السيارة الصغيرة تدور حول نفسها، وترامى إلى مسامعي صوتها وهي تسأل الأم في لهفة: ماما. . . متى يعود بابا؟!