بطردي من بيتك، أتذكرين. .؟ والآن هيا اشرعي في البناء. فراعها لا تخفف توسلاتها من عناده شيئًا. ولأول مرة في هذه المناقشة رفعت رأسها إليه تتأمله بإمعان. فتصنع هو الصرامة والعبوس. وتقلصت عضلات وجهها اشمئزازا من خلقته. يا الله ما أغلظ هذا المخلوق الواقف أمامها بوجهه الكاحل المكفهر وقامته المتخاذلة وثيابه الشعثة التي تتصبب عرقًا! إن ظنها في أنه أبشع رجل في العالم، وأقسى رجل أيضًا. ما أقسى هذا الجنس وأظلمه، لقد اقتنعت الآنفقط أن الرجال أفظع المخلوقات وأنه لا يوجد واحد منهم جدير باسم رجل.
وأحست بأن أعصابها تكاد تنفجر غيضًا فأشاحت بوجهها عنه حانقة، ولمعت عيناها حقدًا، وارتجفت شفتاها في ثورة مكبوتة. ودمدمت بحدة قائلة: إنني أمقتك يا هذا، أنت تريد أن تقضى على بهذا العمل، فإنا لست رجلًا حتىأستطيعبناء الحائط.
فأنفجر ريف ضاحكًا وقال: إنك تجورين علي بهذه التهمة يا جيزيا. فما أردت إجبارك على بناء الحائط إلا تلقينك درسًا عمليًا في احترام كبرياء الغير كما أخبرتك الآن. أما وأنت تصرين على الاعتقاد بأن هذا العمل سيقتلك حقًا، فأنا لا أريد أن أحمل ظهيري وزر قتلك. لذلك فأني سأساعدك في بنائه، سأجنبك المهمة الشاقة فيه فأجمع الحجارة الكبيرة الثقيلة وأنت عليك جمع الصغير منها.
فلم تجب جيزيا بكلمة، ولكنها جعلت تنزع قفازها الأنيق بألم وقنوط ثم بدأت تشتغل بتثاقل وصمت والدموع تترقرق في مقلتيها.
وابتسم ريف وهو يرى عملها البطيء وأحجارها التي لا يزيد أحدها عن حجم التفاحة. واستمرا يشتغلان دون أن ينبس أحدهما ببنت شفة حتى تم بناء صفين من الحجارة وكان الوقت قد صار ظهرًا فقال ريف: يظهر أن بناء الحائط سيستغرق معنا يومًا كاملًا، والآن قد حل وقت الغداء فهيا إلى ظل الشجرة لنتغدى معًا بما كنت أحضرته من خبز وجبن.
فقالت هامسة في استنكار: أتغذى معك تحت الشجرة.؟ ولكن ماذا يقول الناس عنى إذا عرفوا. .؟ بربك أعفني من هذا. فأجابها وقد عاد إلى تقطيبه: بل يجب أن نتغدى معًا فسوف لا أخبر أحدًا بذلك.
ورأت جيزيا نفسها مجبرة على طاعته فانقادت له صاغرة. ولم تستطع ازدراد الطعام