وقال السيد صالح مجدي مؤرخًا بناء القلاع السعيدية بجوار القناطر الخيرية:
فأسس بالتقوى حصونًا عديدة ... بثاني جمادى بعد إبداء دعوة
ففي جانب الكبريّ لاحت بروجها ... عليها مدار الأمن في كل لحظة
ولما علت أركانها وتجهزت ... بما يدفع الأعداء عنها بهمة
وحصنت الأبراج منها مدافع ... تسوق إلى المغرور أثقل كلة
تكفل من أبطال مصر بحفظها ... رجال لهم بطش وأعظم سطوة
هكذا مدح الشعراء سعيدا. وأنت ترى أن مدح سعيد كان يقرن دائمًا بذكر عساكره وجنوده؛ ومدافعه وبنادقه، ومناعة استحكاماته ومتانة قلاعه وحصونه، مع أن البلاد لم تستفد شيئًا من هذه القلاع والحصون، بل تكبدت خسائر مالية فادحة دون مقابل. ولو أن سعيدًا شيد معاهد للعلم بدل تلك القلاع لأفاد البلاد فائدة محسوسة، ولكنه أهمل نشر العلوم والمعارف ولم تفتح في عهده مدرسة واحدة. لذلك أمسك الشعراء عن الخوض في هذا الباب، ولم يقرن اسم سعيد بنشر العلم والعرفان، ولم يعن الرجل بتشييد المصانع لتزويد الجيش بما يلزمه من ملابس وسلاح، بل كان يستورد من أوربا كل ما يحتاج إليه، فترتب على ذلك أن أموال البلاد أخذت تتسرب إلى الخارج ووفد على مصر كثير من الأوربيين الطامعين في الثراء وأضحى نفوذهم يزداد يومًا بعد يوم.
وفي عصر سعيد انتهت حرب القرم التي نشبت بين الدولة العلية وروسيا. وكانت مصر قد اشتركت في هذه الحرب وأبلى الجنود المصريون بلاء حسنًا في ميدان القتال. وقد تغنى الشعراء المصريون بهذا النصر. فمن ذلك قول عبد الله فكري:
لقد جاء نصر الله وانشرح القلب ... لأن بفتح القرم هان لنا الصعب
وقد ذلت الأعداء في كل جانب ... وضاق عليهم من فسيح الفضا رحب
بحرب تشيب الطفل من فرط أهولها ... يكاد يذوب الصخر والصارم العضب
إذا رعدت فيها المدافع أمطرت ... كؤوس منون قصَّرت دونها السحب
وقال الساعاتي:
أسياف سطاه كم فعلت ... وأرادت أن تعلو فعلت
والروس لها ذلت وعنت ... في مشهد حرب (سوستبل)