في دمي من تراثه ... نفحة البدو والحضر
وأعان لمن شدت ... ومعان لمن فخر!
وبأبي الشاعر إلا أن يجمع بين نشوة الروح ونشوة الجسد في مكان، وهكذا كان في واقع الحياة وواقع الفن.
نحن روحان عاصفا ... ن وجسمان من سقر
فاعذرني الروح إن طغى ... واعذرني الجسم إن ثأر!
ويمضي الشاعر بعد ذلك في نفس الطريق معرجًا على الصوى الجسدية المنتثرة على جانبيه، وكم مر بهذا الطريق في شعره وكم عرج على صواه. . . هنا كرمة الخلود فلا حاجة به إلى الخمرة الفانية، وهنا النبع الدافق بكل نزعة عارمة وكل نزوة عاتية.
ولمن هذه العيون؟ إنها للشاعرية الملهمة التي تملك القدرة على أن تقول:
بأن يلعبن بالنهى ... لعب الطفل بالأكر
هن أصفى من الشعا ... ع وأخفى من القدر!
ولمن هذه النهود؟ إنها للجناح المحلق في أفق قل أن نجد له نظيرًا في الشعر العربي الحديث. . . هل رأت عيناك منظر الطير حين يثب من أوكاره قبيل الصباح؟ لقد شبه على طه وثبة النهد من الصدر بوثبة الطير من الوكر!! ثم شاء الخيال النادر للنهد الطائر أن يقف الثوب حائلًا بينه وبين الطيران، فراح ينشب منقاره في القيد الحريري متبرمًا بوطأته ثائرًا على قسوته. . . وكما أن للطير منقارًا فإن للنهد مثل ذلك المنقار:
عض في الثوب واشتكي ... وطأة الخز والوبر
سمة الطائر المعذ ... ب في قيده نقر!!
ويدافع الشاعر عن موقف الإنسانية إزاء الغواية الأنثوية وسلطانها القاهر. واستمع طويلًا إلى هذا المنطق الخلاب لأنه منطق شاعر يجيد الدفاع:
ما أبى الخلد آدم ... أو غوى فيه أو عثر
زلة تورث الحجى ... وترى الله من كفر!
ويقول لصاحبته: (وإذا شئت فاسقنيه) . . . وهذا هو الخطأ اللغوي الذي يؤخذ عليه، وسبحان من لا يخطئ! لقد كان على الشاعر أن يقول: (فاسقينيه) لأن الخطاب هنا للمفردة