رفاقه يتألق وجهه غبطة وسرورًا، وقد انزاحت عنه غشاوة الأسى التي رانت عليه حينًا من الزمان.
وخلا الرجل إلى ابنه يحدثه حديث حياته الجديدة فرق الفتى لكلمات أبيه فما أبدى ضيقًا ولا نفورًا على حين قد تيقظ في نفسه تاريخ أمه منذ أن أحس وجودها إلى أن وجد فقدها.
ونظر عز الدين إلى زوجة أبيه - حسنيه. . ثم غض الطرف في ذلة وارتد في انكسار، ثم استسلم لخواطره السود حين تراءى له أنه أصبح غريبًا في دار أبيه، ونظرت حسنيه إلى الفتى بعين الأنثى فبدا لها ما يضطرب في فؤاده؛ وآذاها أن يلفه الغم في طياته لأنها هي هنا. هنا في دار أبيه، فراحت تتودد إليه في رفق وتقترب منه في لين تريد أن تستلبه من شجونه. وتكلمت الفتاة في ظرف وأنصت الفتى في هدوء. . . والأب يرى فتطمئن وساوسه لأنه شعر بأن الألفة توشك أن تنش جناحيها على الدار.
ومرت الأيام والفتى يجلس إلى حسنيه ساعة من الليل أو ساعة من النهار، وهو يحس أن في عينيها بريقًا يخطف القلب، وأن في أنوثتها جمالًا يخلب الفؤاد، وأن في حديثها موسيقى تسحر اللب، وأن في قلبه نزعة جياشة لا تهدأ إلا في كنفها، وأن في روحه عاطفة فوارة لا تطمئن إلا إلى حديثها، وشمرت الأنثى بدوافع قلب الفتى فذهبت تفسح له مكانًا في قلبها وفي مجلسها، غير أن نظرات الأب النفاذة لم تغمض عن خفقات القلبين فضرب بينهما بحجاب. ولكن الفتاة كانت قد لمست فرق ما بين الشباب المضطرم وبين الرجولة الهادئة التي توشك أن تستحيل إلى شيخوخة باردة، فرق ما بين الحياة الفوارة العارمة وبين الحياة الواهية الضعيفة التي تكاد تنحدر إلى قرار القبر. . . فما أعجزتها الحيلة. وفيها المكر والخداع. . . عن أن تلقى فتاها - بين الفينة والفينة. . . في ناحية من الدار على حين غفلة من زوجها.
وطغى حب حسنيه على خواطر الفتى فطم على آثار فاطمة في قلبه، وشغله عن أن يسعى إليها أصيل كل يوم وأقعده عن أن ينطلق إلى رفاقه لأنه أصبح لا يحس في حديثهم سلوه ولا في مجلسهم متعة.
ووقف الفتى وحده - ذات مساء - يعد حاجاته ويرتب ملابسه ويهيئ نفسه للسفر، وإن قلبه ليفهو نحو حسنيه: الفتاة التي سلبته قلبه ووعيه في وقت معًا ونزعت عه عقله ورشاده في