يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون). يريد من الإيمان ذلك الذي هو عنوان الرشد الإنساني.
أما الإقرار نتيجة التقليد فهو بالأحرى أمارة الطفولة، لا يلبث صاحبه أن ينتقل مما أقر به أولًا إلى الإقرار بشيء آخر تدفعه إليه مغريات العالم ومفاتنه الظاهرة. . (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون) . أولئك هم البدائيون في الإنسانية، هم أطفال ولو بلغوا الحلم.
5 -الحكم والتقدير
ومما يتصل بهذا الجانب النفسي الذي عالجناه الآن - وهو السلوك الإنساني في مرحلة الطفولة - جانب آخر له أهميته وهو طابع الحكم أساس وزن قيم الأشياء عند الإنسان في هذه المرحلة أو من هو شبيه له.
(أ) يغلب على حكمه طابع التذبذب والتردد، لأنه في حكمه على الشيء دائمًا متغير في نظره: فبينما يقدر الشيء للونه إذا به ينفر منه لمذاقه. وبينما يقبل على والده أو أمه بالتقبيل - إن أخذ من أحدهما قطعة من الحلوى مثلًا - إذا به يثب بالضرب على من يناديه منهما للنوم أو يدعوه للهدوء والسكينة.
هو لم يختبر ما نال إعجابه أولًا ثم نفر عنه ثانيًا ليقف على شيء ثابت فيه، وهو ماله من حقيقة وكنه حتى يكون الحكم عليه مرتبطًا بماله من هذه الحقيقة. ولم يعرف بعد أيضًا في أبيه معنى الأبوة وفي أمه معنى الأمومة حتى يربط تقديره لأحدهما بذلك المعنى الباقي فيه.
(ب) ولم يستوف في وزنه للشيء عناصر التقويم فيه، إذ الجزء للشيء يعبر عن نفس الشيء في تصوره وإدراكه - كما ذكرنا ذلك أولًا -.
فتقويمه إذن للشيء تقويم له بجزئه، وبجزء تأثر به هو، وقد لا يكون من مقومات ذات الشيء: فكراهيته لإنسان لأنه أدرك فيه مغايرة البشرة لما ألف رؤيته من الناس، وحبه لإنسان لأنه أعطاه ما يهواه لا يتصل ذلك بتقويم الإنسان بما هو يه إنسان.
هنا تتقدم الثقة العامة بأحكامه وتقديراته، لأن أساسها متغير وسريع في تغيره كذلك.
وتقديرات الإنسان البدائي، وإعطاؤه القيم للأشياء لا يتفاوت في الطابع الأساس عما يعرف للطفل في مرحلة طفولته الأولى من التغير وعدم الثبات: