وهذا آخر الشوط الذي استسلم عنده الشاعر من شدة الإعياء. وباب الغزل الذي طرقه أحمد العاصي يفضي بنا إلى تيارين أحدهما قبل العاصفة العاطفية التي جمحت به، والآخر وهو يتخبط في دياجير تلك العاصفة. وعلى كل حال فإنه عشق لا لشيء إلا لأن له قلبًا كسائر قلوب الناس، وكل ما بينه وبين غيره أنه أحد هؤلاء الذين فشلوا في الحب فكان هذا الفشل ضفثًا على إبالة. فهو يقول:
خبري يا أمة العشق: فتى ... زار يومًا ساحة العشق فضل
على أن باب الفخر يتم عن فترو من التجلد سبقت المحنة التي استعصت عليه:
لعمركمو ما في إلا معاند ... لدهري صليب الجانبين صؤول
ويمضي في هذه القصيدة معبرًا عن حبه الخير وفعله المعروف:
أحب فعال الخير والصدق شيمتي ... وفي حكمتي قائد ودليل
وإن رام مني الدهر مالا أوده ... رددت جموح الدهر وهو ذلول
ولعل الأبيات التالية تنبئ عن مسلك الشاب الطموح الذي لا يلوي على شيء وهو بسبيل المعالي من الأمور:
وما السير للعلياء إلا لذاذة ... لنفس فتى ما حل عقدته الدهر
إذا ما ركبت الليل فالمجد مطلبي ... وسيري مد ليس يتبعه جزر
أهم فلا أبقى لدي النفس مطلبًا ... واصبح والآمال في ساحتي كثر
فأما ملذات النفوس فإنني ... أرى أن سعي المرء في أثرها نكر
ويستطرد في هذه القصيدة مستنكرًا أن تعوقه عن مطلبه السامي بنت كرمه (تضيق بها في الدهر أخلاقي الزهر) أو أن يهيم بغانية لأن:
لنا عزة من دونها كل مطلب ... وهمة نفس ضاق في أمرها الدهر
وليس بنا للناس إلا محبة ... وليس بساح القلب من أجلهم غمر
ونسى لهم حتى نقيم ضعيفهم ... وننهض من يهوي بعزمته الفقر
وهكذا كل الفضائل الاجتماعية من رد الظالم وإيواء الشريد وبغض اللئيم وحب الناس جميعًا، ونزعة الخير غالية على شاعرنا في فترة اطمئنان نفسه وهدوءه انفعالاته.
ودأبي فعل الخير حتى لو أنني ... سئلت لما أدري لمن أنا فاعل