المويلحي من بعده، وأسلوب (المويلحي الصغير) يبين أكثر ما يبين في كتاب (حديث عيسى بن هشام) وكان الشيخ البشري يرى في هذا الكتاب البيان العربي المثالي، وقد طالما سمعته يقول: وددت لو أكتب سطرًا في مثل أسلوب حديث عيسى بن هشام! وكان هذا القول تواضعًا منه - رحمه الله - فقد بصرنا به في بعض كتاباته يحلق ويحلّق حتى ليكون المجّلى على أستاذه ويقنع أستاذه بأن يكون مع المصلين!
وعبد العزيز البشري - كما يعرف سائر الناس - نشأ في بيت علم ونعمة وحفاظ، فأبوه الشيخ سليم البشري شيخ جامع الأزهر في عهد من أينع عهوده، ولقد أراد ابنه على أن يكون من شيوخ الأزهر، فلم يشأ (البشري الصغير) أن يخالف عن تقاليد أسرته فانخرط في سلك طلاب الجامع العتيق على تكره منه واستثقال، فقد أخذته أضواء النهضة الحديثة التي كانت تتوامض أضواءها في أفق الأزهر بين الحين وبعد الحين، وهو إذ يحضر جلسات الدرس إنما كان يحضرها بجسده، أما ذهنه فكان يشرد بعيدًا، إذ يقلب الطالب الشاب عقله ولسانه في بلاغة المويلحي التي تطالعه بها كل أسبوع صحيفة (مصباح الشرق) وكذلك فتن شيخنا البشري بالأدب وعزف عن حلقات الفقه في الأزهر الشريف، ودأب على مراسلة الصحف الأدبية القائمة حينذاك، حتى إذا ظفر بإجازة العالمية أبى أن يكون في عداد مدرسي الأزهر شأن أنداده وإنما انكفأ إلى وزارة المعارف ليعمل محررًا فنيًا فيها.
وكان رحمة الله شديد الولوع بالفن، أغرم به من مشرق الصبا، وكانت له صحبة ومخالطة بأهل صناعة الغناء، وحدثنا فيما حدثنا أنه وقد أدرك من كبار المطربين عبده الحمولي ومحمد عثمان ويوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي وإضرابهم، كان لا يفوت مجلس من مجالسهم المونقة، ولكن ما كان ينفذ إلى هاتيك المجالس وهو ناشئ صغير إلا بشق الأنفس، لأن الناس في ذاك العهد كانوا ما يبرحون على الحفاظ والاحتشام، ودون مجالس اللهو حفظة وأحراس!
وقال لنا رحمة الله إنه كان في صباه يمضي الليل ساهرًا، ولا ينام إلا غرارًا مع مطالع الصبح، فتحطم من ذلك جسمه، وتضعضعت في الكهولة صحته. وكذلك طوى الأعوام العشرة الأخيرة من حياته مريضًا ما يكاد ينقه حتى تعاوده العلة فيرتكس حتى وطأتها