فتنحط إلى أوضع مراتب الحيوانية! وراعتني شراسة الصبي فانطلقت أشتد في غير وعي ألتمس الخلاص والمهرب فقذفت بنفسي في عرض هذا الشارع أريد أن أخترقه، وهو - كما يرى - مكتظ مزدحم بالعربات والسيارات والترام جميعًا، فصدمتني سيارة كسرت ساقي ثم مرقت مثلما يمرق سهم عن قوسه. . . مرقت وخلفتني هنا أنادي غير مستمع. واستطعت - في لمحة واحدة - أن أرى السيارة التي أبطرها الغنى فرأيتها تفهق بالكبرياء وتشرق بالغطرسة وتزهو بالنعمة، ورأيت فيها رجلًا واحدًا يقودها. . . رجلًا تعرى عنه الإنسانية لينحط إلى أوضع مراتب الحيوانية. . .
ورنت الكلمات الحزينة في مسمعي تصاعد من وراء أنات الكلب الجريح، تخترق شغاف قلبي وتسيطر على نوازع نفسي، فتشغلني عن حاجات الدار والولد والوظيفة، وتجذب خيالي إلى الوراء. . . يوم أن كنت صبيًا أعاني قسوة أبي وأقاسي غلظة زوجته التي ليست أمي، يوم أن لبثت نيفًا وعشرين يومًا موثقًا إلى فراشي لا أبرحه إلا لمامًا، أجد برحاء المرض ولوعة الوحدة، أفتقد القلب الرحيم الذي يعطف، واليد الرفيقة التي تواسي، لا أستطيع أن أبوح بالشكوى التي ترفه عن النفس، ولا أطمع في أن أرى الطبيب الذي يطب للمرض. . . ثم هدأت سورة المرض ساعة فتسللت إلى المستشفى وفي رأيي أني طرت إلى الدار التي أجد فيها شفاء دائي وشفاء نفسي.
ووضع الطبيب يده ثم رفعها وهو يقول (عملية!) فانطويت على نفسي أحدثها حديثًا فيه الطمأنينة والرضا فقلت: (الآن أفوز بإحدى الحسنيين: إما الموت، فأشفى من داء الحياة. . . الحياة التي تصفعني منذ زمان - بالعنت وتعصرني بالشدة، وإما البرء من سقام أمضني طويلًا فأعيش فتى فيه القوة والفتوة، لا يعجزني أن أكسب قوت يومي) واستسلمت.
وفي المستشفى رأيت عجبًا من العجب، رأيت أجسامًا مريضة ينهكها السقام، ونفوسًا سقيمة يقتلها اليأس، وقلوبًا قاسية يصرعها الشره. وتنشقت روائح متناقضة تصاعد في أرجاء الحجرة فتملأ أنفي فتتقزز لها نفسي. وسمعت أصواتًا مدوية يجأر بعضها بالشكوى ويرتفع بعضها بالصياح. . . أصواتًا تصك السمع وينخلع لها القلب. ووهت عزيمتي فراودتني نفسي أن أفر من هذا المكان الموحش تحت سترين من الليل ومن الهدوء، غير أن الألم حال بيني وبين أن أفعل فاستسلمت.