هذا هو المستشفى، الدار التي كانت تتراءى في خيالي مهبط الرحمة ومسكن الشفقة لأنها أنشئت على عمد من الإنسانية السامية لتمسح على أوجاع الفقير والعاني بيد رقيقة طيبة. . . هذه الدار نفضت عن نفسها الآن عبار الحيال المموه فبدت أمام ناظري سجنًا يضيع المرض في ظلماته، ويتيه السقيم في مضلاته، وتتلاشى الصيحات المدوية في فجاجه، ثم لا يحس واحد فيه الحنان ولا العطف!
أسدل الليل سجوفه وأنا أتقلب على فراش خشن قذر، وعيناي لا تجدان من الكرى، وإن روحي لتفزع مما يتراءى لها من أخيلة شيطانية مخيفة، وإن قلبي ليضطرب من أنات تحوم حواليه في هدأة الليل خافتة حينًا وصارخة حينًا، وإن نفسي لترتاع من أثر الرهبة والفرق، فشملني خوف أورثني الأرق الممض، ومضى يومان. . .
وفي حجرة العمليات أحسست بالمخدر يسري في عروقي فيستلبني الحركة والحس، وشعرت ببرد الراحة والخمود يتدفق في مفاصلي، ثم اغتمرت في سبات عميق.
وحين انجابث عني وطأة المخدر استشعرت ألمًا عاتيًا يعركني عركًا شديدًا. . . ألمًا طاش له صوابي وبدا فيه ضعفي، فندت عني صيحة ارتجت لها أركان المكان، فخف نحوي الممرض يأمرني في كبرياء وقسوة أن أخفف من غلوائي وأن أهدئ من ثورتي، وأرغمني على ما لا تهواه نفسي ولا يرضاه ضعفي، ثم قدم إلي قطعة من قماش قذر وأرادني على أن أحشو فمي لتمنع الصوت عن أن يرتفع، وتكتم الصيحة فلا تدوي، فألقيت السلم خشية أن ينالني عنته وهو فظيع، أو يصيبني بطشه وهو قاس.
ولأول مرة في حياتي علمت أن الممرض في المستشفى الحكومي رجل جبار النزعة غليظ الكبد جافي القلب، مرن على الجفوة ودرب على القسوة. وهو - إلى ذلك - صاحب السلطان المطلق في المستشفى، وصاحب الرأي الأعلى في العنبر، وصاحب السيطرة العارمة على المريض، والمرضى يأخذون ما يعطي الممرض في غير نقاش، ويذرون ما يكره في غير تمنع، ويأتمرون بما يأمر في غير تردد، ثم هو لا يفعل شيئًا إلا أن يستلب المريض من طعامه، ويسرق السقيم من دوائه، وينزع عن المستشفى ثوبه السماوي الذي تسربله منذ أن أقيم. وهو في الحكومة خادم مطيع، وفي رأي نفسه السيد الذي لا يخضع إلا للدرهم ولا يتعبد إلا للدينار، يرتدغ - دائمًا - في حماقته لأنه أمن الرقيب.