وأنشب الألم أظفاره الجافية في جسمي فما تمالكت نفسي عن أن أقضم قطعة القماش القذرة بأسنان فتية حادة، فأحسست برائحة النتن تصاعد من ثناياها، فألقيت بذات بطني على صدري وإلى جانبي الممرض ينظر ثم لا يمد يدًا. ونظرت إليه نظرات فيها التوسل والرجاء فقال لي في كبر: (هات كذا قرشًا وأنا أزيح عنك الخبث) فأشرت إليه من خلال آلامي أنني لا أملك شيئًا، فانصرف عني وخلفني أعاني ضنى الألم ومضض القذارة. ومضت أيام.
واستصرخته - ذات مرة - ليعينني على بعض شأني فما ألقى إلي السمع، فنزلت من على السرير أتحامل على نفسي، فما برحت أن دارت بي الأرض فاقد الوعي لا أجد الرحمة في قلب ولا أحس الشفقة في فؤاد.
وغبرت أيامًا في الدار التي أنشئت على عمد من الإنسانية السامية لتمسح على أوجاع الفقير والعاني بيد رقيقة طيبة. . . غبرت أيامًا أعاني الوحشة وأقاسي الضياع، لم تهف نفس أبي نحوي ولا رفت علي أبوته.
آه لطالما قضيت الليل سابحًا في أمواج من العبرات. . . عبرات الشباب العابس الحزين حين ينطوي عنه أحب الناس إلى نفسه وأقربهم إلى قلبه.
وجاء عمي - بعد أيام - يزورني فتكلم لسانه كلامًا طويلًا ولكن يده لم تبض بدرهم واحد أشبع به نهم الممرض أو أستجدي عطفه، فودعته - حين ودعني - بعبرات قلبي.
وجاء الطبيب يزورني، فهمس الممرض في أذنه بكلمات دفعته إلى أن يكتب على بطاقتي (يخرج اليوم!) .
آه! ما للقلوب الإنسانية قد تحجرت فصفرت من الإنسانية وخلت من الرجولة! أأخرج من المستشفى إلى الشارع ولما أتماثل للشفاء؟ وطردت - بعد ساعة من المستشفى. . . من الدار التي أنشئت على عمد من الإنسانية السامية لتمسح على أوجاع الفقير والعاني بيد رقيقة طيبة. . . خرجت لألقي بنفسي على طوار الشارع أرمق الناس بنظرات راجفة فيها الضيق والألم.
لا عجب - يا قلبي - فإن الإنسانية حين تتهاوى تسفل فتتضع فتنحط إلى أوضع مراتب الحيوانية!