البشرية أحيانًا أن نضرة المجد التي تعلوه وتتألق حوله كشعاع الكوكب - هي تعبه وضجره، أو أثر إنخذالهِ وألمهِ ومسكنته. وهذا من شقاء العقل، فانه دائما يضيف شيئًا إلى شيء، ويخلط معنى، ولا يترك حقيقة على ما هي؛ كأن فيه ما في الطفل من غريزة التقليد، والعقل لا يرى أمامه إلا الإلهية، فهو يقلدها في مداخلة الأشياء بعضها في بعض، لإيجاد الأسرار بعضها من بعض.
ومن ثم كانت الحقيقةُ الصريحةُ الثابتةُ مدعاة للملل العقلي في الإنسان، لا يكاد يقيم عليها أو يتقيد بها، فما نال شيئًا إلا ليطمع في غيره، وما فاز بلذة إلا ليزهد فيها، وأجل ما أحبه الإنسان مع كل صواب من جزء من الخطأ، فان هو لم يجد خطأ في شيء اِئْتفكَ لنفسه الخطأ المضحك في شبه رواية خيالية.
إنه لشعر سخيف بالغ السخافة أن يتخيل الغريق مفكرًا في صيد سمكةٍ رآها. . . ولكن هذا من أبلغ البلاغة عند العقل الذي يبحث عن وهم يضيفه إلى هذه الحقيقة ليضحك منها، كما يبحث لنفسه أحيانًا في أجمل حقائق اللذة عن ألم يتألم به ليَعبَسَ فيه!
قلت لنفسي: فهل ينبغي لي أن أحرق دمي لأني أفكر، وهل أضل دائمًا بهذا التفكير كالذي ينظر في وجه حسناء بمنظار مكبر لا يريه ذلك الوجه المعشوق إلا ثقوبًا وتخريمًا كأنه خشبةٌ نزعت منها مسامير غليظة. . .! فلا يجد المسكين هذه الحقيقة إلا ليفقد ذلك الجمال. وهل بُدٌ من الشبه بين بعض الناس وبين ما ارْتصد له من عمل؛ فلا يكون الحوذيُّ حوذيًا إلا لشبه بين نفسه وبين الخيل والبغال والحمير. . .؟
وقالت لي النفس: إن فأس الحطاب لا تكون من أداة الطبيب، فخذ لكل شيء أداته، وكن جاهلًا أحيانًا، ولكن مثل الجهل الذي يصنع لوجه الطفل بشاشته الدائمة فهذا الجهل هو أكبر علم الشعور الدقيق المرهف، ولولاه لهلك الأنبياء والحكماء والشعراء غمًا وكمدًا، ولكانوا في هذا الوجود، على هذه الأرض، بين هذه الحقائق - كالذي قيد وحبس في رهجٍ تثيره القدم والخف والحافر؛ لا يتنفس إلا الغبار يثار من حوله إلى أن يقضى عليه
اجهل جهلك يا صاحبي في هذه الشهوات الخسيسة؛ فأنها العلم الخبيث الذي يفسد الروح، واعرف كيف تقول لروحك الطفلة في ملائكيتها حين تساورك الشهوات: (هذا ليس لي؛ هذا لا ينبغي لي) .