العنصر السامي لم يؤثر في حضارة المصريين القدماء، لأن الساميين لم يحتلوا بلادهم احتلالًا طويلًا، بل كانوا يحملون عليهم حملات متواصلة؛ وقبل أن ترسخ أقدامهم في تلك الربوع كانوا يردون على أعقابهم مدحورين. أما في سورية وفلسطين فكان الفينيقيون والكنعانيون والعبريون، وهؤلاء الأقوام لم يكونوا بالسكان الأولين، لأنهم حينما احتلوا هذه البقاع وجدوا فيها عناصر أخرى كل كالأموريين والحيثيين واليبوسيين، وأصل هذه الشعوب يرجع إلى السكان الأصليين المنتمين إلى طائفة من القبائل المنقرضة المعروفة في التاريخ القديم باسم زاموميم، ومن هؤلاء من وفد إلى هذه الديار من خليج فارس ومنهم من تخوم بلاد العرب. يجد المنقب في بلاد العرب العنصر السامي سائدًا منذ الأزمنة القديمة، ولا يجد له أثرًا في صقع آخر في ذلك العهد العهيد، فقد انتشرت لغته وسارت عاداته وعمت الديار المجاورة لبلاده، ثم تدرجت حضارته السابقة لمملكة المعينيين العريقة في القدم وذلك في أواخر العصر الحجري وأوائل عصر النحاس. وهنا يشاهد الباحث العصريين مشتبكين متلازمين؛ فقد أنتقل القناصون والسماكون من عصر الانحطاط إلى عصر التجدد، فبلغوا مستوى ثقافة حديثة وحياة اجتماعية عالية، إذ أصبحوا فلاحين وزارعين ورعاة غنم وتجارًا وصناعًا.
لنرجع من تلك الحضارة القديمة ولنعد النظر في اكتشاف الكتابة المعينية التي تدلنا على وجود حروف هجائية أقدم عهدًا من الحروف الفينيقية التي اشتهرت في العالم القيم بأنها الحروف الأولى التي استنبطت لغاية تدوين الأفكار وصيانتها من الاندثار والطموس. وقد أجمع أهل التحقيق والتدقيق على أن حروف الهجاء اليونانية والرومانية وسائر حروف هجاء الأمم الحديثة مقتبسة كلها أما رأسًا أو بوسيلة من الوسائل من مخترعيها الفينيقيين، غير أن كتابة المعينيين كشفت اللثام عن صور كتابة أقدم عهدًا من جميع الكتابات التي ظهرت وانتشرت في ذلك الحين، ومن ثم فقد ذهب بعض العلماء الواقفين على أصل اللغة وتركيبها وتاريخها إلى أن الحروف الفينيقية مشتقة من الحروف المعينية.
لا شك في أن اللغة المعينية وحروفها أقدم عهدًا بكثير من لغة الساميين وكتاباتهم، ومن المحتمل أن العناصر السامية اختارت تلك الحروف بعد أن عدلتها وهذبتها حسب طبيعتها وميلها. وكان للمقتبسين علاقات تجارية ومواصلات بريدية مستمرة تحمل على ظهور