الجمال فتخترق القوافل صحاري بلاد العرب وتعود حاملة لبانها وطيوبها وأفاويهها وآدابها ومعارفها، ولا يعقل أن تلك الأقوام استمرت جاهلة استعمال حروف الهجاء حتى اقتبستها فينيقية من مصر ونشرتها في أطراف المعمور. وقد أيد الأستاذ سايس هذا الرأي بقوله (أنه إذا ذهبنا إلى أن مصدر الحروف ومنشأها كان في بلاد العرب يكون أحسن حل لهذه المعضلة) لأن أسماء صور الحروف الفينيقية ليس فيها أدنى شبه في كثير من الأحوال للرموز والإشارات التي تدل عليها، فأن تناولنا - مثلًا - الحرف الأول وهو ألف (ثور) فأن رسم الألف يشابه كل المشابهة رأس ذلك الحيوان في الكتابة المعينيية، هذا وإن أمعنا النظر في الحروف الهيروغليفية وهي الحروف المصرية القديمة فلا نجد شبهًا لذلك الحرف.
أن المكتشفات واللقي المقبلة في بلاد العرب ستوقفنا على أنباء الشعوب التي سكنت تلك الأصقاع ومصرتها قبل عصر التاريخ، فقد كانت بلاد الكنعانيين متحضرة قبل حملة الإسرائيليين عليها وتدويخها، وكان لهم حروف هجاء وآداب خاصة بهم تعد أقدم عهدًا من الكتابة الفينيقية وآدابها. وهذا التنقيب في ديار العرب وفلسطين سيكشف النقاب عن وقائع وأنباء لا تزال مطمورة في أنقاض المدن القديمة التي تضارع بل ربما تفوق في قدمها بلاد مصر والكلدان، وهي تنتظر بفروغ صبر معاول المنقبين لتنبشها من مدافنها وتنشرها في عالم الظهور لكي ترى نور الشمس الساطعة، بعد أن احتجبت عنها قرونًا عديدة.
بغداد
رزوق عيسى