ولم نجد الله تعالى فعل ذلك بأحد من الأنبياء قبله، بل وجدناه خلى بين الأنبياء وبين اختيارهم لأنفسهم فيما يعزمون عليه ويتخيرون فيه، فأخبر عن سليمان عليه السلام في شأن غيبة الهدهد عنه في وقت الحاجة منه إليه، وعزمه على ما عزم عليه، فقال: {وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين. لأعذبنه عذابًا شديدًا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطانٍ مبينٍ} الآية، ثم لم نجد الله اختار له ترك العقوبة ولا فرض عليه إيثار العفو بل وجدناه ساكتًا عن الاختيار له في ذلك، وكذلك وجدناه فعل بنوح عليه السلام في مقابلته فعل الكفرة بمثله، ولم نجده اختار له ترك ذلك فقال: {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأٌ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم} الآية، ولم نجده اختار له الكف عن مقابلتهم والميل إلى الأحسن من العفو والصفح فيهم، وكذلك وجدناه فعل بيوسف في قوله لإخوته: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} الآية، ولم نجده اختار له ترك ذلك وأمره بإيفاء كيلهم إذ كان ذلك أحسن به وأجمل وأرفق بهم وأولى، بل تركهم كلهم، وإيثار ما يعزمون عليه من أفعالهم.