فهرس الكتاب
فإذا هو بشيخ من شيوخ المسلمين قد يبس جلده على عظمه عاريًا ما يستتر إلا بنعليه وهو ينادي: من كساني كساه الله من خضر الجنة.
فلما رآه لم يتمالك صلى الله عليه وسلم أن ألقى الثوب عليه، ثم أقبل إلى السوق وهو يبادر الليل، فاشترى قميصًا بدرهمين فلبسه، وأقبل فإذا هو بالجارية حيث تركها تبكي، فقال لها: ما شأنك؟ ألم أكن أعطيتك درهمين؟ فقالت: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اشتريت ما احتيج إليه ولكن طالت غيبتي عن أهلي فأشفقت من عقوبتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: ألحقيني بأهلك، واتبعها حتى انتهى إلى دار من دور الأنصار، فإذا رجالهم خلوف ليس فيها إلا النساء، فسلم عليهن وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فسمع النساء صوته فعرفنه فلم يجبنه، ثم ثنى مثلها فلم يجبنه، ثم سلم الثالثة ورفع بها صوته فقلن بأجمعهن: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته بآبائنا وأمهاتنا أنت يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: أما سمعتن ابتداء سلامي؟ قلن: بلى، ولكن أحببنا أن نكثر لأنفسنا وذرارينا من تسليمك، قال: إن جاريتكم هذه أبطأت عليكم فخشيت عقوبتكم، فهبوا لي عقوبتها، فقلن جميعًا: قد شفعناك بآبائنا وأمهاتنا أنت، شفعناك فيها، ووهبنا عقوبتها لك، وأعتقناها لممشاك، فهي حرة لوجه الله تعالى.
قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ما رأيت ثمانية دراهم أعظم بركة من هذه الثمانية: آمن بها خائفًا، وأعتق بها نسمة، وكسى بها عاريين -يعني نفسه والشيخ-.