مكث هبة بن جماز بن منصور تسع سنوات في الإمارة، كان في أولها حسن السيرة. ولكنه أساء في آخرها، وأعاد (المكوس) والجبايات، وكثرت الشكاوي منه، فقبض عليه أمير الحج في مكة، وأخذه إلى مصر، حيث سجن مدة من الزمن ثم أطلق سراحه وعاد إلى المدينة ومات فيها (1) .
عندما شغر منصب الإمارة بالقبض على هبة بن جماز عادت الأسرة إلى ترشيح عطية ابن منصور، وألحت عليه حتى قبل الإمارة، وكان قد تقدم في السن فعاد بالحياة في المدينة سيرته الأولى وألغى المكوس التي فرضها هبة من قبل. ولكنه ما لبث أن مات في السنة التالية عام 783هـ قبل أن يتم سنة في الإمارة (2) .
وفي هذه السنة شحت الأمطار وأصيبت الحجاز بعامة بقحط شديد وارتفعت الأسعار، وبلغت قيمة غرار الدقيق أربعمائة درهم، وزادت عن ذلك في موسم الحج (3) واشتد الأمر على فقراء أهل المدينة وعلى عربانها والساكنين في ريعها، ومات كثير من الناس جوعًا، وأكلت الجلود (4) ووقع وباء في المدينة فانتشرت الإصابة بذات الجنب (بحيث أنه كان يموت في اليوم الواحد نحو العشرين نفسًا) (5) ، ثم جاء الفرج في السنة التالية فوصلت بعض القوافل من مصر واليمن، ووصلت عطية السلطان برقوق التي يبعثها كل سنة من القمح، وصار يخبز ثمانية آلاف رغيف يوميًا وتوزع على المدينة، كما وزعت ألف وخمسمائة أردب من القمح، فانفرجت الغمة وانخفضت الأسعار (6) .
(1) التحفة اللطيفة 2/ 198.
(2) السابق نفسه.
(3) السلوك ق2 ج3 ص460.
(4) إتحاف الورى 3/ 337.
(5) الذيل على العبر 2/ 507.
(6) النجوم الزاهرة 12/ 109.