لذلك سننظر في الفقرات القادمة في الجوانب الحضارية غير السياسية في المدينة المنورة؛ في تكوين المجتمع المدني وفئاته وعطاءاته المتميزة.
من المسلم به أن أسلافنا الذين سجلوا تاريخ المدن والشعوب صرفوا همهم الأكبر إلى الأحداث السياسية، وإلى الفتن والثورات وقضايا الحكم والحروب، وقلما اهتموا بالحديث عن المجتمعات في حالاتها الساكنة، وينتج عن ذلك أن صورة الحياة الاجتماعية تكاد تكون غائبة عن كتاباتهم، ليس لها عنوان في أي من كتب التاريخ، ولكنها موجودة على شكل إشارات عابرة وشذرات متفرقة بين الأحداث. وينفرد ابن كثير في كتابه البداية والنهاية عن بقية المؤرخين في ترجماته الواسعة لأعلام كل عصر وحديثه عن بعض الظواهر اللافتة للنظر والتي لا علاقة لها بالجانب السياسي، والتي يمكن أن تساعدنا على تصور جانب من الحياة الاجتماعية. ومن المؤسف أن المدينة المنورة في المدة التي ندرسها لم تحظ في كتابه إلا بسطور قليلة متفرقة، لذلك علينا أن ننعم النظر في العبارات القليلة المتناثرة التي وردت في كتابات المؤرخين بعامة وفي بعض التراجم لنستنتج منها شيئًا من ملامح الحياة الاجتماعية في المدينة المنورة وعطاءاتها الحضارية.