فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 375

وأما السبب الثالث: نقل الجسد الطاهر: فإن تفكير الكاتب يختلف عن تفكير أبناء ذلك العصر وظروفهم، فلم يكن السفر من بلد إلى بلد على الجمال يخضع للمراقبة والتفتيش الموجودين في عصرنا الحاضر، ولم تكن منافذ السفر قاصرة على نقاط محددة في الحدود أو الموانئ والمطارات، لذلك لن تدور في أذهانهم الحسابات التي خطرت للكاتب المعاصر.

ثم إن العصر الذي نقلت عنه الحادثة هو عصر مواجهة حادة بين المسلمين والصليبيين، بلغت فيه المشاعر العدائية الصليبية ذروتها ضد المسلمين. وليس من المستبعد أن يفكر بعض المتعصبين من ملوك الصليبيين بما ورد في الخبر، وسنرى بعد عشرين سنة من تاريخ هذه الواقعة صليبيًا آخر يفكر بأبعد من هذا، بغزو الحرمين الشريفين واحتلالهما ليفعل مايشاء له حقده أن يفعل فيهما.

غير أننا نجد أسبابا أخرى تثير بعض الشكوك حولها، أهمها سكوت المصادر التاريخية المهمة عنها مثل البداية والنهاية، والكامل، وتاريخ ابن خلدون.. وأول رواية للحادثة نجدها عند جمال الدين بن أحمد المطري صاحب كتاب (تاريخ المدينة الشريفة) نقلها عنه ابن قاضي شهبة في كتابه: الكواكب الدرية في السيرة النورية ص (71 - 72) ، كما نقلها السمهودى عن المطرى، وتعجب من أنها لم ترد في كتابات الذين ترجموا لنور الدين زنكى (1) ولعل السمهودى لم يطلع على كتاب ابن قاضي شهبة، فقد وردت القصة فيه كاملة نقلا عن المطرى.

نخرج من ذلك إلى أن الحادثة محتملة الوقوع، إذا جردت من المبالغة الواردة في بعض الروايات وبالذات قضية استغاثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنور الدين زنكى.

ثانيا: محاولة غزو المدينة المنورة:

وقعت هذه المحاولة سنة 577 هـ والسنة التي تليها، أي في العهد الأيوبي، وسنعرض لها بعد قليل ضمن دراستنا للأحداث في العهد الأيوبي (2) .

(1) وفاء الوفا 2/ 652.

(2) انظر ص 52 من البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت