واستمرت تبعية إمارة المدينة لإمارة مكة إلى نهاية العهد المملوكي، ونجد في أخبار الأمير محمد بن بركات أنه أرسل عام 923هـ إلى السلطان العثماني سليم الأول بمفاتيح الحرمين رمزًا لولاء مكة والمدينة للعثمانيين الذين أنهو حكم المماليك وورثوا دولتهم (1) ،وهذادليل قاطع على أن إمارة المدينة لم يكن لها استقلال سياسي آنئذ وأن أمير مكة كان يعدها جزءًا من منطقة إمارته ويملك حق إعلان ولائها للجهة التي يواليها.
نخرج من ذلك كله إلى أن العلاقة السياسية بين إمارة المدينة وإمارة مكة كانت متفاوتة في القرون الأربعة التي يدرسها هذا البحث، فكانت في الفترة الأولى علاقة بين كيانين سياسيين مستقلين وبين أسرتين تربطهما قرابة الأصل الهاشمي البعيد، ثم اضطربت هذه العلاقة عندما حاول قتادة بن إدريس في مطلع القرن الهجري السابع ضم المدينة إلى إمارته ونتج عن محاولته سلسلة من الصدامات حاول فيها كل من الطرفين كسر الطرف الآخر وضم إمارته إليه ولم ينجح في ذلك أي منها، وخلال القرن السابع دخل شيحة بن منصور ثم ابنه جماز بن منصور في معارك ضد أمراء مكة محالفين بعض أفراد الأسرة الحسنية المتصارعة ضد بعضهم الآخر، ومحالفين أيضًا الأيوبيين ثم المماليك ضد الرسوليين .. ثم عادت فترة الهدوء والاستقلال لمدة قرن كامل .. بعدها انقلبت الموازين وصارت إمارة المدينة تحت إشراف إمارة مكة إلى نهاية العهد المملوكي ..
الظاهرة الثالثة في الحياة السياسية للمدينة في القرون الأربعة التي يدرسها البحث هي العلاقة مع السلطان وأثرها في استقرار الحياة السياسية للمدينة واضطرابها.
فخلال القرون الأربعة المذكورة كانت المدينة تتبع السلطان الذي يحكم مصر والشام، وكان الخطباء يذكرونه على المنابر قبل ذكر أمير المدينة ويدعون له بالنصر والعزة.
(1) انظر بدائع الزهور 5/ 190.