تثير الحياة السياسية في المدينة المنورة مشاعر متباينة في نفس القاريء، فالنسبة الكبيرة من الأحداث التي تظهر فيها صراعات على السلطة تستعر فيها الرغبات الشخصية والأهواء وتتجاوز أحيانًا ضوابط الشرع والأخلاق، وتفسد العلاقات بين الأهل والأقارب بل وفي الأسرة الواحدة، وقد يقتل الأخ أخاه ويحارب الرجل ابن عمه، وقد تسفك دماء بريئة أصابتها شظايا متطايرة من الصراع هنا وهناك .. وتشتعل الحروب بين أمراء أقدس مدينتين عند المسلمين، ويدهش المرء لذلك كله، وتسوء نظرته لأولئك الأقوام ولتاريخ المدينة بشكل عام.
غير أن هذه الصورة ـ على صحتها ـ لا تمثل الحياة الحقيقية الشاملة في المدينة، ومن ثم فلا يجوز أن تنفرد بالحكم عليها أو أن تستأثر بمشاعرنا وتجعلنا ساخطين .. فالحياة السياسية ـ كما قدمت ـ جانب من جوانب الحياة في المدينة المنورة، يتركز تأثيره في المقام الأول على فئة قليلة من أهلها هم المتنافسون على الحكم، وقد تصيب أفرادًاوجماعات أخرى من أهلها بشيء من شظاياها، خاصة في أيام الفتن والفوضى. ولكن تلك الأوقات محدودة بأيام وربما بساعات، ثم تعود الحياة إلى مجراها العادي، والأحداث التي نستهولها لو جئنا نعدها لوجدناها معدودة (1) فإذا وضعناها في إطارها الزمني الذي يدرسه هذا البحث صارت نتوءات قليلة في سهل واسع ممتد. فنحن نستعرض أربعمئة سنة من الحياة السياسية، ووجود هذا القدر المحدود من السلبيات لا يجوز أن ينسينا بقية الزمن الطويل الذي خلا منها، حتى ولو أننا افترضنا أن التاريخ أغفل قدرًا آخر مماثلًا لما أحصيناه لما اختلفت النتائج كثيرًا، إذ ستبقى المساحة الإيجابية في الحياة السياسية أكبر وأوسع بكثير من المساحة السلبية .. غير أننا اعتدنا أن نقف عند الجوانب السلبية في تاريخنا ونتجاوز مسرعين، أو نشير إشارات عابرة إلى الجوانب الإيجابية، أي الحياة السياسية الهادئه التي تجري دون فتن واضطرابات ودون قهر وثورات.
هذا من جهة ... ومن جهة أخرى ينبغي أن ننظر في الجوانب الحضارية الأخرى، في تكوين المجتمع المدني، وفئاته، والمميزات التي كانت تظهر في كل فئة، وعطاءاتها الاجتماعية والثقافية، والتفاعلات البناءة فيما بينها، وهذه الجوانب تظهر بصورة أصدق وأوضح حقيقة الحياة العامة في المدينة المنورة، وتنجينا من النظرة الأحادية الضيقة، وتساعدنا على تكوين أحكام عادلة مبنية على نظرة فاحصة في السلبيات وفي الإيجابيات، والمقارنة بينهما والتقويم الشامل.
(1) انظر جدول الأحداث في الملحق.