تبقى بعد ذلك أغراض فيها شعر قليل كالوصف والهجاء والإخوانيات وهي دون الأغراض السابقة، وربما تكون غيبة كثير من شعر تلك القرون في مخطوطات لم تحقق بعد السبب في هذا التصور، فيصبح الحكم قابلًا للتعديل بعد حين، لذلك أتجاوز هذا الموضوع إلى وقفة قصيرة عند الفن الثاني من الفنون الأدبية:
النثر.. فكيف كان النثر الأدبي في تلك القرون؟ وهل أصابه ما أصاب النثر في بقية البلاد العربية من تكلف وسقم؟ إن ما وصلنا من النثر الفني ما يزال قليلًا أيضًا لذلك ستكون نظرتنا وأحكامنا محدودة. ففي الوقت الذي نشطت فيه حركة التأليف، وكتبت كتب التراجم والموسوعات والمعاجم الضخمة قلت الكتابة في النثر الأدبي وانحصر معظمها في الرسائل وبعض المقامات وفي التأليف العام.
وقد أثر انتشار الثقافة وتعلق طلاب العلم بكتب التراث في شبابهم على أسلوب النثر فحماه إلى حد ما ـ من الوقوع في التكلف الذي وصل إليه بعض النثر في مناطق أخرى. وظل قسم كبير منه يعتمد على العبارة المرسلة، التي لا تقع في قيود التكلف البديعي، بينما يأخذ بعضها بشيء من المحسنات البديعية وسوف نستعرض فيما يلي ثلاثة نماذج تمثل أنواع النثر وتكشف لنا خصائصه الأسلوبية. النموذج الأول رسالة كتبها واحد من مثقفي أهل المدينة إلى صديق له يخبره عن البركان الذي انفجر شرقي المدينة عام 654 هـ ويصف كيف واجه أهل المدينة هذا الحدث الكبير (1) :
(1) البداية والنهاية 13/ 202 ـ 203