فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 375

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى رسل الله وأنبيائه أجمعين، وبعد:

للمدينة مكانة متميزة في نفوس المسلمين، خاصة الذين عمر الله قلوبهم بالإيمان، فذكرها عندهم يمتزج بعطور السيرة النبوية، ومعالمها تحيي تاريخا لجيل بدأت به رحلة الحضارة الإسلامية، ومسجدها دعوة مفتوحة أبد الدهر، يتمنى كل منهم أن يلبيها .. وهذه في يقيني من استجابة الله سبحانه وتعالى لدعوة رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم:"اللهم حبب إلينا المدينة".

لذا، ومنذ أن شاع التدوين عند المسلمين بدأت الكتابة عن المدينة، ثم تواصلت جيلا بعد جيل إلى يومنا هذا، فما من جيل إلا وكتب بعض أبنائه عن فضائل المدينة أو معالمها أو أخبارها ... الخ وتجاوزت الكتابات اللغة العربية إلى لغات الشعوب الإسلامية الأخرى، فتكوّن للمدينة تراث ضخم لاأعرف مدينة أخرى تملك مثله، بعضه كتب مستقلة عن المدينة، وبعضه صفحات في مؤلف كبير.

غير أن هذا التراث يشكو من أمور عدة أهمها:

أولا: إن قدرا وافرا منه ما يزال مخطوطا، تتوزع نسخه في مكتبات عامة ومكتبات خاصة، وهذه أشد وأدهى، فبعض من ورث تلك المخطوطات يحجر عليها، ولايدرك أن الذين صنفوها يتمنون أن يقرأها كل مثقف، وآلم ما يؤلمهم أن تختنق في العتمة والرطوبة.

ثانيا: إن قدرا آخر منه موزع في بطون الكتب في علوم شتى: التاريخ والتراجم والأدب .. الخ ويقتضي تتبعه واستخراجه جهودا مضنية وطويلة.

ثالثا: إن الكتابات الحديثة عن هذا التراث تركزت في الغالب على فترة محدودة، هي عهد النبوة وما قبله بقرن وما بعده بقرن. ولا شك أن هذا العهد هو العصر الذهبي للمدينة، غير أن كتب السنة والسيرةوالتاريخ رصدت دقائق تفصيلية فيه، وجاءت الكتب الحديثة فأعادت صياغتها ونسقتها في قوالب شتى، ثم دخلت مرحلة التكرار، في حين أن التاريخ الممتد قرونا طويلة بعد ذلك غائب أو شبه غائب عن تلك الكتابات.

وقد يجد المرء بعض العذر لمن لايريد العناء الثقيل، فالكتابات عن المدينة في تلك القرون موزعة ـ كما أسلفت ـ في مجلدات ضخمة ومخطوطات كثيرة، وتقتضي جهودا غير عادية لاستخراجها، وقد لمست بنفسي تلك المعاناة عندما كتبت عنها في (التاريخ الشامل للمدينة المنورة) فكنت أنفق الأيام الكثيرة في البحث عن خبر في القرن الرابع، وحدث في القرن الخامس، وتفسير لحدث وجدته مقطوعا عن أسبابه ونتائجه ... وكان همي الأكبر يومها أن أسد الثغرة ما استطعت، وأصنع سلسلة متصلة من الحلقات التاريخية، وبعد سنوات من العمل المتواصل ارتضيت أن يصدر الكتاب في الصورة التي وصلت إليها آنئذ ليصنع الهيكل الأول للرؤية الشاملة، أملا في أن ترفدني الأيام، وترفد كل باحث في تاريخ المدينة، بلبنات جديدة تكمل البناء وترفعه.

وعندما طُلب مني أن أكتب هذا البحث سألت نفسي: هل سأجد جديدا؟. ورحت أفتش عن مصادر لم أقرأها من قبل، فوجدت جديدا في بعض المخطوطات، وفي بعض كتب التراجم، واجتهدت في أن ألتقط الأخبار التي لاتقتصر على الجانب السياسي، بل تتعداه إلى الجوانب الاجتماعية والثقافية، وتجمعت لدي بطاقات كثيرة استفدت من بعضها، وادخرت بعضها الآخر لأجمعها مع ما أجده في بحثي المستمر، ولأسد بها فجوات تاريخية، وأجيب على أسئلة ما زالت معلقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت