تسلم الإمارة بعد أميان الشريف زبيري بن قيس بن ثابت بن نعير، ولم يكن له منافسون خطيرون، وقد امتدت إمارته إحدى عشرة سنة وبضعة أشهر، ويبدو من أخباره القليلة أنه اهتم بالأمن وتشدد فيه، وطارد الأعراب الذين يهددون المدينة المنورة بغاراتهم الخاطفة، واستعان بالسلطان الظاهر فأرسل له السلطان أحد قادته الشجعان مع مجموعة من الجند لتعزيز قوة الإمارة ومواجهة الأعراب، وهو توروز الحافظي، وأقام توروز عدة سنوات في المدينة المنورة، وقاد حملات مطاردة الأعراب والمفسدين وقطاع الطرق، وحمدت سيرته وشجاعته (1) ونجد في أخبار المدينة آنئذ العقوبة الصارمة التي فرضها الأمير على من يتعدى على المسجد النبوي ويسرق شيئًا من موجوداته، وقد حدثت عام 861هـ سرقة روعت المدينة (2)
(1) الضوء اللامع 3/ 61.
(2) وردت تفاصيل هذه السرقة في كتاب رسائل في تاريخ المدينة، جاء فيها: عدا على القبة النبوية، في ليلة السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ستين وثمانمائة برغوث بن نعير بن جريس الحسيني، فدخل الدار المعروفة (بدار الشباك) بجانب باب الرحمة ليلًا ـ ولم يكن بها ساكن ـ وتسور جدار المسجد ودخل بين سقفي المسجد الشريف من شباك هناك، ومشى حتى بلغ ما يحاذي سقف الحجرة، فأخذ من تلك القناديل شيئًا كثيرًا، وكرر ذلك المرة بعد الأخرى، ولم يشعر أهل المسجد ونظاره بشيء من ذلك، غير أن أمة لبعض جيران الدار رأت من سطح دارهم شخصين في أعلى دار الشباك، يتعاطيان شيئًا له حجم كبير وصوت صليل، فأخبرت بواب المسجد فلم يعبأ بذلك لخلو تلك الدار، وبعد ذلك الأمر عن الأفكار، ولكن الله أراد هتك المذكور، وحلول النقمة به، فأنهى بعض الناس إلى أمير المدينة أن برغوثًا معه شيء كثير من المال لم يعهد به من قبل، فأمسكه الأمير، وضيق عليه بالسجن، فانخلس ليلًا، ثم شاع بالمدينة بيع شبابيك من الفضة والذهب، فكثر القال والقيل، ثم في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وستين، استفاض أن برغوثًا في ينبع ومعه قطع من ذهب القناديل، فتفقد النظار الحجرة الشريفة، فرأوا أكثر القناديل مأخوذًا فعلموا الحال ولم يعلموا الكيفية، وكتبوا إلى أمير ينبع بالقبض على برغوث وإرساله، فقبض عليه واعترف أنه فعل ذلك هو ودبوس بن سعد الحسيني الطفيلي، ولم ير أمير ينبع إرساله بل تركه عنده منتظرًا الأوامر السلطانية، ثم إن أمير المدينة أمسك دبوسًا وبعض أقاربه، فأنكر هو، وأقر عليه بعض جماعته، وأحضروا جانبًا من الذهب والفضة، ثم هرب برغوث من ينبع وجاء إلى المدينة فأخبر عنه فقبض عليه وسجن، وبرزت المراسيم بقتل من تجرأ على هذه العظيمة، فقتلوا. انظر: رسائل في تاريخ المدينة ص192. والتحفة اللطيفة 1/ 367.