وكان لزيارة الأشرف قايتباي آثار طيبة على المدينة المنورة، فقد أمر ببناء مدرسة فيها من ماله الخاص، وأمر بشراء عدد من العقارات لتكون وقفًا عليها، وبلغ ما أنفقه على المدرسة وتوابعها مائة وعشرين ألف دينار، وكميات كبيرة من التمر والذبائح (1) وقد أمر بأن يصرف على أهل المدينة والمقيمين فيها والواردين عليها، من كبير وصغير وغني وفقير ورضيع وفطيم وخادم ومخدوم، مايكفيه من البر والدشيشة والخبز، وصار يحمل لذلك سبعة آلاف وخمسمائة إردب كل سنة (2) وأمر بإلغاء كثير من المكوس والجبايات المفروضة على أهل المدينة والقادمين إليها، ودفع لأمير المدينة مايعوضه عنها، واستمر ذلك طوال حكمه في مصر، أي إلى نهاية القرن التاسع، ويصف السخاوي ما قدمه الأشرف قايتباي للمدينة بأنه بلغ درجة لم يسبقه إليها أحد (3) .
في عام 886هـ شهدت المدينة حادثة مفجعة هي: احتراق المسجد النبوي، وذلك للمرة الثانية في تاريخه، وقد سبق أن احترق عام 654هـ كما أسلفنا، وكان مؤرخ المدينة المنورة المشهور السمهودي معاصرًا لهذا الحريق، وكان له في المسجد خلوة فيها مكتبته القيمة، فاحترقت، واحترق فيها مسودة كتابه وفاء الوفاء، وكان السمهودي مسافرًا في مكة فلم يشهد الحريق، ولكنه عندما رجع تقصى أخباره وسجلها في كتابه عندما كتبه للمرة الثانية.
(1) التحفة اللطيفة 3/ 411.
(2) السابق نفسه.
(3) السابق نفسه.