فقد أشعلت الهجمة الصليبية الشرسة روح الجهاد، واندفع الكثيرون يكتتبون فيه، وهيأ الله لهم قادة متميزين، ساروا في الطريق الصحيحة وتغلبوا على العوائق الداخلية والخارجية، وبنوا قوة تتزايد يومًا بعد يوم فقضوا على (أمراء التجزئة) وأنهوا تعدد الخلافة، ووضعوا للمسلمين كيانًا كبيرًا موحدًا يواجه الصليبيين، ويقتلعهم حصنًا بعد حصن ..
ظهرت دولة الزنكيين وقطعت شوطًا جيدًا في توحيد البلاد، وفي التصدي للصليبيين، وتلتها دولة الأيوبيين فعززت الوحدة ووجهت ضربات قاصمة للصليبيين، وتلتها دولة المماليك التي مدت سلطانها في مصر إلى أرمينة وأنهت الوجود الصليبي ..
وسوف نمر ـ خطفًا ـ بأبرز الأحداث التي صنعت تلك الدول، والتي غيبتها أيضًا.
تبدأ أصول الزنكيين المعروفة برجل تركي اسمه آق سنقر، كان في صباه رفيقًا لفتى من أسرة سلجوقية متنفذة اسمه ملكشاه، وفي عام 458 هـ آل ملك السلاجقة إلى ملكشاه فقرب صديقه آق سنقر و (جعله من أعيان أمرائه وأخص أوليائه واعتمد عليه في مهماته) (1) فأثار ذلك حسد الوزير نظام الدين، فعمل على إبعاده، وأقنع السطان ملكشاه بتوليته مدينة حلب وأعمالها، وكان فيها اضطرابات كثيرة، فلما تولاها آق سنقر استطاع إعادة الأمن والاستقرار إليها، فكان منصبه الجديد فرصة لإظهار قدراته وعلو مكانته (2) .
(1) الروضتين 1/ 24.
(2) السابق نفسه.