فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 375

ولم تكد صدمة النار العظيمة تنتهي حتى فاجأت أهل المدينة صدمة أخرى كان لها وقع شديد في نفوسهم أيضًا، وكأن هذا العام عام صدمات ومحن. فقد ظل البركان يقذف حممه قرابة الشهرين، ثم هدأ، وثار بعد ذلك ثورة بسيطة. وما لبث أن وقعت صدمة ثانية في الليلة الأولى من شهر رمضان في ذلك العام نفسه 654 هـ أي قبل أن ينطفيء البركان نهائيًا. فبعد أن انصرف الناس من صلاة العشاء والتراويح إلى بيوتهم، وقبل أن يخلدوا إلى النوم، ارتفع الصريخ ينادي الناس بأن النار اشتعلت في المسجد النبوي ويذكر المؤرخون (1) أنه في ليلة الجمعة التي سيهل فيها شهر رمضان دخل أحد الفراشين ـ واسمه أبو بكر بن أوحد ـ إلى مخزن المسجد ـ ويقع في الجهة الشمالية الغربية منه ـ ليخرج بعض القناديل التي تعلق في المنارات طوال ليالي رمضان، وكان بيده سراج يستضيء به، فوضع السراج على قفص من أقفاص القناديل، وفيه مشاق (أي قطعة قماش من كتان) ريثما يخرج القناديل المطلوبة فعلقت النار بالمشاق، وامتدت منها بسرعة إلى الحصر والبسط الموجودة في المخزن، وحاول الفراش أن يطفئها فازداد اشتعالها، وامتدت إلى القناديل المملؤة بالزيت، وأمسكت النار بالفراش نفسه، وتزايد اللهيب ووصل إلى السقف، عندئذ رأى الناس خارج المسجد لهيب النار فتصايحوا وأسرعوا إلى المسجد ليطفؤوها بوسائلهم البسيطة آنئذ، وما كانوا يملكون سوى دلاء الماء، وجرى المنادي في أحياء المدينة وأسرع العسس إلى الأمير فطرقوا عليه الباب وأخبروه، فهرع مع رجاله إلى المسجد النبوي، واجتمع غالب أهل المدينة يحاولون إخماد النار ولكن النار أمسكت بخشب السقف الجاف، وما فيه من حصر وردم، وامتدت من خشبة إلى خشبة، وأخذت الأخشاب المحترقة تتساقط في أطراف المسجد فتحرق ما تقع عليه من بسط وخزانات ومصاحف، فتزداد النار التهابًا وتصل نار الأرض

(1) وفاء الوفا 2/ 598.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت