الذي أخبر بها لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم. فإننا نعتقد أن تفسير الحديث يحتمل ظهور نار أخرى في مكان ما من منطقة الحجاز كلها، وأن تلك النار ستكون عظيمة جدًا أضخم بكثير من هذا البركان، ويكون وهجها شديدًا يضيء أعناق الإبل في بصرى، وقد تظهر شمالي الحجاز وقد تظهر في وسطه ولكن لن تكون رؤيتها قاصرة على أعرابي مجهول، بل سيراها كل من يرى أعناق الإبل آنئذ. فاللفظة في الحديث الشريف تذكر أنها تضيء والإضاءة كما نعرفها درجة قوية من الإبانة والإظهار.
ثالثًا: إضفاء خصائص غير عادية على هذه النار، فقد شاعت مقولات بأن تلك النار ليس لها حر ولا تحرق الشجر بينما تحرق الحديد والحجر، ويروي المطري أن (سنجر العربي أحد عتقاء الأمير عز الدين منيف بن شيحة صاحب المدينة قال: أرسلني مولاي الأمير عز الدين بعد ظهور النار بأيام، ومعي شخص من العرب، وقال لنا ونحن فارسان: اقربا هذه النار وانظرا هل يقدر أحد على القرب منها، فإن الناس يهابونها لعظمها. فخرجت أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها، فلم نجد منها حرًا، فنزلت عن فرسي وسرت إلى أن وصلت إليها، وهي تأكل الصخر والحجر، فأخذت سهمًا من كنانتي ومددت به يدي إلى أن وصل النصل إليها، فلم أجد لذلك ألمًا ولا حرًا، فعرق النصل ولم يحترق العود، فأدرت السهم، وأدخلت فيها الريش، فاحترق الريش ولم يؤثر في العود(1) وقد ناقش السمهودي هذه الرواية وقرنها برواية للقسطلاني، وتبين أنها كانت تذيب مالاقاها من الشجر الأخضر والحصى من قوة اللظى، ولا أحد يقدر على الاقتراب منها ويأخذ بهذه الرواية ويرد كلام المطري (2) وقد أصاب السمهودي في مناقشته فنار ذلك البركان أتت يومئذ على الأخضر واليابس، والرواية التي نقلها المطري لا تخرج عن إطار تزيد القصاصين والمتخيلين.
(1) وفاء الوفا 1/ 146، مرآة الجنان 4/ 132.
(2) وفاء الوفا 1/ 147.