ثانيًا: ربط هذه الحادثة بالقيامة بناء على حديث صحيح قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى ) ) [رواه البخاري] . مع أن الحديث الشريف لا ينص على أن هذه النار ستكون بالمدينة ضرورة بل بالحجاز، والحجاز إقليم واسع يمتد من جنوبي مكة إلى حدود الأردن. وقد التمس بعضهم ما يؤكد هذا الربط، فأورد ابن كثير رواية عن القاضي صدر الدين علي بن أبي القاسم المقيم بدمشق أن أعرابيًا أخبر والده ـ وكان معاصرًا للحادثة ـ أنهم رأوا في تلك الليلة أعناق الابل ببصرى على ضوء هذه النار (1) ونقل السمهودي هذه الرواية واحتج بها لتأكيد أن هذه النار هي المقصودة بالحديث السابق، وناقش القطب القسطلاني الذي شك في أن تكون هذه النار قد رؤيت في بصرى، وعزز السمهودي تأكيده بما نقله عن أبي شامة من أن أحد الثقاة بلغه أنها رؤيت في تيماء وبصرى عنها مثل ماهي من المدينة في البعد (2) ويبدو أن السمهودي لم يكن يعرف تمامًا أين تقع بصرى. وقد ذكر الحموي بلدين بهذا الاسم: الأولى من أعمال دمشق وهي قصبة كورة حوران، والثانية من قرى بغداد قرب عكيراء (3) . فالأولى تبعد عن المدينة أكثر من ألف (كيلو متر) ، والثانية أكثر من ألف وخمسمائة (كيلو متر) ، بينما لا تبعد تيماء سوى أربعمائة كيلو متر. ولو ناقشنا الرواية التي نقلها ابن كثير واحتج بها السمهودي لوجدنا أنها تحتمل الشك، لأن الراوي الأول هو أعرابي لا ندري مدى صدقه، ولو صحت إضاءة هذه النار لأعناق الإبل في بصرى لكانت خارقة تتواتر فيها الأحاديث، خاصة وأن النار قد استمرت مدة شهرين إلى ثلاثة أشهر، ولكنا لا نجد إلا رواية ذلك الأعرابي المجهول؟ ومع يقيننا الذي لا يتطرق إليه الشك أن النار التي ذكرت في الحديث الصحيح هي إحدى علامات الساعة، لأن
(1) السابق 12/ 204.
(2) وفاء الوفا 1/ 148.
(3) معجم البلدان 1/ 441.