استهلت أيام الأمير منصور بن جماز بخير وفير عم أهل المدينة. ففي موسم عام 700هـ حج الأمير بكتمر الجوكندار، أحد أمراء المماليك وحمل معه كسوة للحجرة النبوية وأموالًا كثيرة أعطى بعضها للأمير وفرق الباقي، ويقدر ما فرقه في مكة والمدينة بثمانين ألف دينار، فإذا كان نصيب المدينة نصفها فهو مبلغ ضخم بمقياس ذلك الزمن (1) وفي السنة الثانية وقع زلزال شديد وأعقبه شيء من القحط، فتأذى الناس، فلما كان موسم الحج وفد الأمير سلار نائب السلطة بمصر يصحبه ثلاثون أميرًا ومعهم آلاف الأرادب من القمح ـ عشرة آلاف منه وعشرة آلاف من الأمير سنقر وآلاف أخرى من سائر الأمراء ـ فرقها في مكة والمدينة وأعطى كل واحد قوت سنة، كما فرق أموالًا طائلة (2) .
وفي العام التالي 704 هـ أعاد سلار الكرة وأغدق العطاء على أهل الحرمين، وكان بصحبة سلار قوة مسلحة كافية لتأمين طريق الحج. وقد شكا إليه بعضهم ما تعرض له بعض الحجاج في الطريق بين مكة والمدينة، فقاد رجاله لمطاردة الأعراب الذين اعتدوا على الحجاج، ووصل إلى مضاربهم وقبض على خمسين رجلا منهم ممن شارك في الجريمة وأخذهم إلى المدينة واستفتى الفقهاء فيهم فأفتوة بتطبيق حد الحرابة عليهم ليكونوا عبرة لمن خلفهم فلا يتجرأ أحد على طريق الحج بين المدينتين المقدستين. فأمر سلار بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفذ الحد (3) ، وسرت أخباره بين القبائل فكان لها أثر كبير في تأمين الطريق عدة سنوات.
(1) الدرر الكامنة 2/ 18 ودرر الفوائد ص 694.
(2) الدرر 2الكامنة /276. التحفة اللطيفة 2/ 167.
(3) السلوك ق1 ج2 ص 5.