، غير أن توران شاه لم يحسن التصرف، وأساء إلى شجرة الدر وقادة الجيش من المماليك وخطط للتخلص منهم، فقتلوه في صفر 648هـ (1) . وبموته انتهت الدولة الأيوبية وبدأ عهد دولة المماليك.
أنجزت الدولة الأيوبية في المدة التي عاشت فيها (81 سنة) أمورًا كثيرة لها أثر كبير في تاريخ المسلمين، في مقدمتها توحيد رقعة مهمة من العالم الإسلامي، ووقف الهجمة الصليبية، وإنقاذ معظم البلاد التي سقطت في يدها، والتصدي للتمزقات العقدية ومحاربة الفكر الفاطمي، والقضاء على عنفوان الباطنية، ونشر المدارس والثقافة الإسلامية السنية وتنشيط العمران .. ولو أن الجيلين الثاني والثالث منهم تجاوزوا الخلافات التي نشبت بينهم لواصلوا نهج صلاح الدين واقتلعوا الصليبيين نهائيًا وأعادوا لشعلة الحضارة الإسلامية توهجها العالي ..
يقسم الدارسون عهد المماليك إلى قسمين، الأول: عهد المماليك البحرية (648 ـ 784 هـ) والثاني عهد المماليك الشراكسة، ويسمون أيضًا البرجية (784 ـ 923 هـ) ومثلما تتقارب مدة حكم كل منهم تتشابه ظروف نشأتهم ووصولهم إلى الحكم، وأسلوب الحكم ذاته ..
أولًا: المماليك البحرية:
في حمأة الصراع مع الصليبيين والخلاف بين الأيوبيين أحس سلطان مصر الصالح أيوب بالحاجة الماسة إلى جيش قوي مطيع، فقد كان معظم جنوده من المرتزقة، ووجد ضالته في الرقيق التركي المجلوبين من شمال البحر الأسود. فهم يمتازون بالقوة والشجاعة وجمال الشكل، فاشترى أعدادًا كبيرة منهم وأنزلهم في جزيرة الروضة، وهيأ لهم مدربين أكفاء فعرفوا بالمماليك البحرية، وظهرت بطولاتهم في التصدي للحملة الصليبية في موقعتي المنصورة وفارسكو، وصار قادتهم من المقربين وأصحاب النفوذ (2) .
(1) الذيل على الروضتين 185.
(2) المماليك في مصر والشام 195 ـ 196.