وينتهى المشككون في الحادثة إلى أنها من صنع الخيال، وأن الدافع لاختلاقها هو رفع مكانة السلطان نور الدين زنكي (1) . وعندما نناقش هذه الأسباب نجدها تتساوى في ضعفها مع الرواية التي ترفضها. فقضية الاستغاثة بنور الدين وردت في رواية السمهودي، أما الرواية التي وردت في الكواكب الدرية، وهي أسبق منها ومصدرها الرئيسى، فليس فيها استغاثة، وإنما أمر بإبعاد النصرانيين عن القبر. ولاشك أن حفظ الله سبحانه وتعالى لرسوله مطلقًا في حياته وبعد وفاته، وإلى يوم الدين، وقد يكون من وسائل الحفظ تسخير بعض عباد الله لمعاقبة المعتدين على حرمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيًا وميتًا، للتشهير بهم وجعلهم عبرة للكفار وضعفاء النفوس. وقد نقلت المصادر التاريخية أن الحاكم بأمر الله الفاطمي فكر بالأمر نفسه لسبب مختلف، وهو أن ينقل جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مصر ويجعله في المسجد الذى بناه ليحول الأنظار إليه ويجعله مقصدًا للمسلمين، وكلف رجاله الذين جاءوا مع أبى الفتوح إلى المدينة بذلك سنة 390 هـ (فأصابتهم ريح عاصفة أظلم لها الجو، وكادت تقتلع البناء من أصله، فردهم أبو الفتوح عن ذلك) (2) .
وأما السبب الثاني: نقل التراب: فليس بعسير، ولن يعدم المجرمان طريقة هادئة لذلك. فقد ذكر السمهودى رواية تبين أنه كان (لكل منهما محفظه جلد على زي المغاربة، والذى يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته ويخرجان لإظهار زيارة البقيع فيلقيانه بين القبور) (3) ، وذكر رواية أخرى تقرر أنهما
(كان يجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذى هما فيه) (4) .
(1) انظر المدينة بين الماضى والحاضر ص 164، والمسجد النبوي عبر التاريخ ص 139.
(2) تاريخ ابن خلدون 4/ 140، وانظر رواية أخرى فيها تفصيلات أوسع في وفاء الوفا 2/ 652 - 653.
(3) وفاء الوفا 2/ 649 ـ 650.
(4) السابق 2/ 652.