ومعناها عند المتكلمين إله بمعنى آلِه أي فاعل، أي قادر على الاختراع أو غني عما سواه مفتقر إليه كل من عداه، فيقدرون خبر (لا) بموجود، فلا قادر على الاختراع موجود إلا الله، وهذا تفسير بالربوبية وهذا المعنى أقر به المشركون ولم يدخلهم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام، ومن شؤم هذا التفسير أنه فتح لباب الشرك على مصراعيه؛ لأنهم ظنوا أن التوحيد المطلوب الذي دعت إليه الرسل هو توحيد الربوبية، فمن اعتقد ربوبية الله فهو موحّد، وهذا باطل، فإن كفار قريش وغيرهم كانوا مُقرِّين بالربوبية لله تعالى.
السابعة والثلاثون: إذا تقرر أن معنى «لا إله إلا الله» أي لا معبود بحق إلا الله؛ فذلك يبيّن أن عبادة غير الله عبادة بالباطل والظلم والتعدي والطغيان، وهذا هو الذي فهمه كفار قريش لما قيل لهم قولوا: لا إله إلا الله، فأبوا عن ذلك؛ لأن مقتضى قولهم لا إله إلا الله أن عبادتهم لآلهتهم ظلم وبغي وطغيان وعدوان ولن يقروا بذلك على أنفسهم ويتركوا عبادتها ويفردوا الله بالعبادة؛ ولهذا أنكروا وقالوا: {أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ... } الآية [ص: 5] .
الثامنة والثلاثون: تميّزت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - بأنها دعوة تفصيلية تبيِّنَ حقيقة التوحيد وشُعَبه، وتأمر بها وتنبه على حقيقة الشرك وأنواعه وخطره وتحذر عنها، وأما الدعوات الأخرى فإنها دعوات إجمالية نظرية، فقد يدعون إلى التوحيد إجمالًا لكن لا يذكرون التفاصيل، وقد ينهون عن الشرك، لكن لا ينكرون بعض أنواعه، ولا يبالون بما يترتب على من ترك شيئًا من أنواع التوحيد، أو ارتكب نوعًا من الشرك فلا يرتبون عليه أحكامه كالموالاة والمعاداة والتكفير ووجوب القتال مع الإمكان والقدرة ونحو ذلك.
6 -باب
تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله